للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والرجال والنساء والصغار والكبار، فمن عفا منهم وهو أهل للعفو صح عفوه وسقط القصاص ولم يبق لأحد إليه سبيل، وهذا قول أهل العلم، ولا ينبغي للحاكم العمل بغيره لعموم النصوص ولو فرض أنه صدر من متحيل بأحد الورثة كالزوجة ونحوها لعموم الأدلة، وقد بسط الكلام على هذا في "المغني" صحيفة ٧٤٢ جزء سبعة وغيره من كتب الأصحاب.

لكن إذا كثر التحيل لإسقاط القصاص فلعل في مثل هذا الحالة إذا تسلط العتاة وخيف اختلال الأمن بكثرة العفو وصار سلماً لسفك الدماء وإسقاط موجبها. ففي مثل هذه الحالة يجوز ضرورة العمل بالقول الآخر الذي اختاره الشيخ تقي الدين وهو مخرج رواية عن الإمام أحمد ذكرها ابن البناء وهي رواية عن الإمام مالك وهي أن القاص موروث للعصبات خاصة فليس للنساء عفو لأنه ثبت لدفع العار فاختص به العصبات كولاية النكاح، وهو وجه لأصحاب الشافعي، وبه قال الحسن وقتادة والزهري وابن شبرمة والليف والأوزاعي.

وقد أشار إلى ذلك في "الاختيارات" ٢٩٣ وفي "الإنصاف" جزء ٩ ص٤١٣ وفي "المعنى" في الصفحة المشار إليها آنفاً وفي "حاشية المقنع" جزء ٤ ص٣٥٤ وهذا من شيخ الإسلام رحمه الله بناء على قاعدة ذكرها في بضع كتبه وهو أنه إذا ثبتت الضرورة جاز العمل بالقول المرجوح نظراً للمصلحة، ولا يتخذ هذا عاماً في كل قضية، بل الضرورة تقدر بقدرها، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً كما هو اختياره في عدم صحة العفو في قتل الغيلة لتعذر الاحتراز منه، وكالقتل مكابرة، وقتل قاتل الأئمة، وقتل قاتل أبويه وإن عفوا، فعلى الحاكم تقوى الله وتحري الصواب في مثل هذه المسائل، قال الله تعالى: {واتقوا الله لعلكم تفلحون} (١) . وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفر عنكم سيئاتكم ويعفر لكم والله ذو الفضل العظيم} (٢) . والسلام عليكم.

(ص/ف ٥٥٣ في ١٨/٦/١٣٧٨)


(١) سورة آل عمران - آية ٢٠٠.
(٢) سورة الأنفال - آية ٢٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>