للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[مخالفة اللسان لما نواه في قلبه]

ليس بين العلماء نزاع في أن العابد إذا تكلم بلسانه بخلاف ما نوى في قلبه كان الاعتبار بما نوى في قلبه، ذلك لأنَّ النيَّة عمل القلب كما سبق أن بيناه، فإذا قال بلسانه: نويت التبرد (أي في الوضوء)، ونوى بقلبه رفع الحديث، أو بالعكس فالاعتبار بما في القلب بلا خلاف. ومثله ما قاله الشافعي في الحجّ: لو نوى بقلبه حجّا، وجري على لسانه عمرة أو عكسه، انعقد ما في قلبه دون لسانه (١).

وما ذكره ابن نجيم (٢): أنَّ من سبق لسانه إلى لفظ اليمين بلا قصد انعقدت الكفارة به، وكذا من قصد الحلف على شيء فسبق لسانه إلى غيره (٣) - غير صحيح ولا تنعقد الكفارة به، وليس مستثنى من القاعدة. كيف وقد نص القرآن على أن الله لا يؤاخذنا باللغو في أيماننا، واللغو ما صدر من المرء بدون قصد اليمين، وأخبر أنَّ المؤاخذة إنما تكون على اليمين المقصودة المرادة: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكمُ بمَا كَسبتْ قُلُوبكُم} (٤). {وَلكِن يُؤاخذُكُمْ بمَا عَقّدْتمُ الأيْمَان} (٥)، لذا كان السيوطي محقّا عندما جزم "بأنَّ من سبق لسانه إلى لفظ اليمين بلا قصد فلا تنعقد، ولا يتعلق به كفارة، أو قصد الحلف على شيء فسبق لسانه إلى غيره" (٦).


(١) المجموع (١/ ٣٦٦)، وممن نص على ذلك ابن قدامة في المغني (١/ ١١١).
(٢) هو زين العابدين بن إبراهيم الشهير بابن نجيم، فقيه حنفي مصري، له تصانيف منها: (الأشباه والنظائر)، و (البحر الرائق في شرح كنز الدقائق)، توفي في عام (٩٧٠ هـ).
(شذرات الذهب ٣/ ١٠٤)، (الأعلام ٣/ ١٠٤).
(٣) الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص ٤٦).
(٤) سورة البقرة / ٢٢٥.
(٥) سورة المائدة / ٨٩.
(٦) الأشباه والنظائر للسيوطي (ص ٣٠١).

<<  <   >  >>