للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

قالوا: ومن اغتسل للتبرّد والتنظّف لم يرد حرث الآخرة يقول ابن العربي عند هذه الآية: "هذه الآية تبطل قول أبي حنيفة أنه من توضأ تبردا يجزيه عن فريضة الوضوء الموظفة عليه في الآخرة، والتبرد من حرث الدنيا، فلا يدخل أحدهما على الآخر، ولا تجزىء نيّة عنه بظاهر هذه الآية" (١).

وقد يقال: إن هذه النية "الإخلاص" يراد بها قصد المعبود، وهي غير النيّة التي تبحثونها هنا، وهي نيّة قصد العبادة، فالجواب: أنَّ نيّة "الإخلاص" تشمل نيّة العبادة، إذ قصد المعبود يستلزم قصد العبادة التي يتقرب بها إلى الله.

وقد اعترف بعض الأحناف بقوة هذا الدليل وذهب إلى العمل بمقتضاه، قال: "الحقُّ أن الدليل قائم على اعتبار النيّة في جميع العبادات، لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}.

والإخلاص هو النيّة وهو جعله بنفسه متلبسا بحال من أحوال العابدين" (٢).

واستدلّوا على ثبوت النية بالقرآن بقوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} (٣)، ومن هؤلاء محمد بن إسماعيل البخاري، قال في صحيحه: "باب ما جاء أنَّ الأعمال بالنيّة والحسبة ... "، وأورد قوله تعالى: {قلْ كُل يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ}، قال: على نيته" (٤).

وهذا التفسير وإن قال به البخاري -رحمه الله- والحسن البصري ومعاوية بن قرّة وغيرهم، فإنّه ليس نصّا في الموضوع، فقد فُسِّرت الشاكلة بالطريقة والناحية وهو قول أكثر العلماء (٥)، وقيل (الشاكلة) الدين.


(١) أحكام القرآن (٤/ ١٦٥٥).
(٢) فتح القدير (١/ ٣٠).
(٣) سورة الإسراء/ ٨٤.
(٤) صحيح البخاري. انظر فتح الباري (١/ ١٣٥).
(٥) فتح الباري (١/ ١٣٥).

<<  <   >  >>