للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وإذا كانت تلك فطرته اللغوية، في تمكنها، وشدتها، واستحصافها، وسبيلها إلى الإلهام؛ وانطوائها على أسرار الوضع؛ فانظر ما عسى أن يحدث من مبلغ أثرها في اللغة وضعًا واشتقاقًا واستجازة وتقليبًا، وما عسى أن يبلغ القول في مظاهرها من مخارج الكلام ووجه إرساله وإحكام تنضيده واجتماع نسقه؛ ثم تدبر ما عسى أن تكون جملة ذلك قد أثرت في العرب ومناطقها وأساليبها، وهم كما علمت أهل الفطرة والسليقة وإنما أكبر أمرهم في اللغة التوهم والنزوع إلى المحاكاة، والمضي على ما توهموا، والأخذ فيما نزعتهم إليه الطبيعة، وعلى ذلك مبنى لغتهم كما فصلناه في بابه١.

فالعربي الفصيح منهم، إذا كان جافيًا متوقحًا، وكان صافي الحس بليغ الطبع، وكان في قواه البيانية مع ذلك فضل من التصرف رجع أمره ولا جزم إلى أن يكون صاحب لغتهم، وإلى أن يكون منطقه فيهم مذهبًا من المذاهب، وإن كانوا لا يعرفونه باللغة وعلمها وتصريفها على الحدود التي يعرف بها الناس علماءهم، وكان هو لا يعرف من نفسه أنه لغوي وأنه واضع، إذ ليس من ذلك شيء يسمى عندهم علمًا، إنما هو سمت الفطرة التي تأخذ فيه طبائعهم، ودلالتها التي تهتدي بها وتستقيم عليها لا أكثر من ذلك ولا أقل، ولقد كان هؤلاء العرب أجدر الناس بأن يقال إن فيهم حاسة سادسة، هي حاسة الاهتداء اللغوي، ثم لا يكون هذا القول إلا حقا.

وبعد، فإنه ليس لنا أن نبسط في الفصل أكثر مما بسطنا، فإن علماءنا ورواتنا رحمهم الله لم يوقعوا الكلام في أماليهم وكتبهم على حالة اللغة لعهد النبي صلى الله عليه وسلم تعيينًا، ولا دلوا على ما كان له من الأثر في أوضاعها وتقليبها، وعلى ما جاء من قبله في ذلك مما كان من قبل سواه؛ وعلى ما صارت إليه اللغة بعد استفاضة الإسلام والاجتماع على المضرية، إلى ما يداخل ذلك من أبواب التاريخ اللغوي، وإنما اكتفوا بأنهم إجماع واحد، ويقين لا تحتل منه، أنه صلى الله عليه وسلم كان أفصح العرب، وأعلمهم بلغاتها وأوسعهم في هذا الباب, وأنه لم يأتهم عن أحد من روائع الكلام ما جاءهم عنه, وأن له في كل ذلك المزية البينة، التي تواتر النقل، وتظاهر بها الخبر، كما أسلفنا بيانه، ثم تركوا أن يتوسعوا في تفصيل ما أجمعوا عليه وأن يعتلوا له بأسبابه، ويعرضوا له من وجوهه، ويستقصوا فيه إلى أوائله، ويأخذوه من نشأته؛ حتى إن الذين وضعوا الكتب الممتعة في علم غريب الحديث، لم يتعرضوا له، ولم يقولوا فيه قولًا، مع أنه مبنى علمهم، وجهة تأليفهم، وله منصب الحجة، وإليه غاية الرأي، بل اجتزءوا -عفا الله عنهم- ببيان اللفظ الغريب وتفسيره، وصرفوا أكبر همهم إلى الإكثار من الجمع، وإلى صحة المعنى وجودة الاستنباط, وكثرة الفقه, وإشباع التفسير وإيراد الحجة وذكر النظائر, وتخليص المعاني، حتى كانت هذه الكتب كلها كما قال الخطابي البستي٢ "إذا حصلت كان مآلها


١ الجزء الأول من تاريخ آداب العرب.
٢ كان بعد الستين وثلاثمائة من الهجرة، وقد ألف كتابًا في غريب الحديث استوعب فيه كل ما تقدمه. ثم اتصل التأليف بعده في هذا العلم حتى وضع الزمخشري كتابه "الفائق": وهو من أوسع الكتب في غريب الحديث، ليس أوسع منه إلا كتاب "النهاية" لمجد الدين ابن الأثير وكلاهما مطبوع متداول، وهم يقتصرون على إيراد الألفاظ وتأويلها، ويقفلون ما وراء ذلك من تاريخ اللفظ، ونسبه في القبائل وتسلسله في الألسنة، فأحيوا بعملهم فروعًا في اللغة، وأماتوا فروعًا في التاريخ، كما بسطناه في باب اللغة من تاريخ آداب العرب.

<<  <  ج: ص:  >  >>