للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

والأفراد يكتسبون اللغة من بيئتهم وفي عصرهم الذي عاشوا فيه، ومن ثم فإنهم يراعون اللغة كما تُنطَق في عصرهم لا كما تُنطق في عصورٍ سبقت، ولا كما ينبغي أن تنطق وفق نموذجٍ مثالي لعصرٍ ذهبي غيَّبته الأيام، اللغة في تغير مستمر، وقد يكون هذا التغير بطيئًا لا يتضح إلا بمرور جيل أو أجيال، ولكنه يحدث، ولا ينفيه بطء حدوثه، ونحن إذ نفترض الثبات اللغوي فإنما نفعل ذلك لدواعي التشريح والدراسة، وبغية اقتناص «حالة لغوية» سينكرونية لضرورة الرصد والتقعيد، بينما اللغة في حركةٍ مستمرة والعرف اللغوي في تغيرٍ دائب، الثبات اللغوي إذن ليس أكثر من حيلةٍ إجرائية ووهمٍ عملي.

نخلص من ذلك إلى تعريف المستوى الصوابي على أنه: «مراعاة العرف اللغوي المقتصر على بيئةٍ خاصة في زمنٍ خاص، مع اعتبار التطور في اللغة، يتوافق معه نشاط المتكلم ويلاحظه الباحث بهذه الصفات.» (١) يتبع ذلك بالضرورة تغير ما يراعيه المتكلم على حسب العرف اللغوي الجديد الذي يفرض نفسه عليه كي يتوافق معه، ويترتب عليه أن مستعمِل اللغة لا يطالب بغير مراعاة المستوى الصوابي في اللغة الذي اكتسبه من الجيل الذي هو أحد أفراده، ومن عرف العصر الذي عاش فيه. (٢)

ليس هذا الحديث دعوةً إلى إلغاء القواعد والانصراف عن جهات الاختصاص اللغوي، بل دعوة إلى أن تراعي جهات الاختصاص طبيعة القواعد ومنشأها وحركتها، بحيث تأتي القواعد متفقة مع استعمال اللغة وتطورها وتبرأ من التعسف والجمود، وتأتي المقترحات الجديدة متوافقة مع طبيعة اللغة، بوصفها ظاهرةً اجتماعية تخضع للعرف الاجتماعي العام والعرف اللغوي الخاص، ولا تكون محاولات دونكيشوتية تحارب في غير ميدان، ومماحكات تكد الذهن في غير طائل.

لقد توقَّف النحاة في تقعيداتهم عند زمنٍ معين لا يتجاوزونه، بينما اللغة الحقيقية تمضي في سبيلها غير عابئةٍ بهم، توقفت القواعد بينما العرف اللغوي يتغير مع الزمن، فاتسعت الفجوة بينهما وصارت هوة، هذا ما أربك الفصحى وصعَّب قواعدها وجعلها أشبه بلغةٍ أجنبية في دراستها وفي استخدامها.


(١) المستوى اللغوي، ص ٢١.
(٢) المرجع نفسه، ص ٢٧.

<<  <   >  >>