للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

للحضارات القديمة، لم يدرب عقله للنظر إلى ما وراء الطبيعة من خلال علاقاته الإنتاجية التي يعرف من خلالها عالمه الميتافيزيقي؛ لهذا غاب عنه أن يكون الوجود نتاجًا لفعلي الكينونة والصيرورة، واكتفى فقرًا وعيًا وثقافةً وحضارةً بالنبأ أو الخبر؛ لهذا فالسماء الممتدة مجرد مبتدأ وخبر، وليست موضوعًا أو جوهرًا وفعل صيرورة مضمرًا وصفة أو محمولًا … أخبار بني … أخبار القدماء … أخبار الحروب القديمة … ليس ثمة غير الخبر يحرك بركته الراكدة، خبر عن الحب، السطو، الإغارة، المطر، الرياح، العواصف، الغائبين … الصحراوي مُستلَبٌ من الفعل المركب العميق، الفعل الإنساني للحضارات الكبرى، الذي يستشف منه فعل الصيرورة الكامن في الوجود والكون، الفاعلية البشرية المتراكمة، تفاعلها مع الطبيعية إلى القدر الذي يتمايز في عقلها البشري، وفعلا الكينونة والصيرورة في الأشياء الكبرى التي تمس الوجود، حتى لو كان فعل الآلهة، حيث المحيط الأزلي … النطفة الأولى … ومن ثم التكون والصيرورة.» (١) وباختصار، ليس ثمة غير خبر، أو انتظارٌ لخبر.

أما د. حسن حنفي فيرى أن «فعل الكينونة ليس مجرد فعل، بل هو الوجود المتضمن فيه، يظهر في اللغات الأجنبية ولا يظهر في اللغة العربية لأن الوجود متضمن في الكلام ولا يحتاج إلى إثبات كما لاحظ الفارابي من قبل في كتاب الحروف.» (٢)

وأما د. عثمان أمين فيقف وقفةً طويلة عند غياب فعل الكينونة في العربية، ويستكشف فيه فلسفة بتمامها! يرى د. عثمان أمين أن لغتنا العربية في طبيعة بنيتها وتركيبها لا تحتاج الجملة الخبرية فيها إلى إثبات فعل الكينونة، فنحن نقول في العربية، على سبيل الإخبار: «فلان شجاع» دون حاجة إلى أن نقول: «فلان يكون شجاعًا»، ونقول: «كل إنسان فانٍ» دون حاجة إلى أن نقول: «كل إنسان يكون فانيًا». وإذا قلنا في العربية مثلًا: إن «الأمة العربية واحدة» ثبت هذا المعنى في نفوسنا ثبوتًا لا يحتاج بعده إلى شيء من الخارج، لا فعل الكينونة ولا أي رمز آخر من رموز اللغة أو أي أمر من أمور الحس. والفكرة المفهومة من الارتباط واضحة ماثلة دائمًا في نفس العربي، يلتفت


(١) فتحي إمبابي: تحرير اللغة - تحرير للعقل وإعادة منهجيته، قضايا فكرية، الكتاب ١٧ - ١٨، مايو ١٩٩٧، ص ٢٨٨ - ٢٨٩.
(٢) د. حسن حنفي: من اللغة إلى الفكر، المصدر نفسه، ص ١٧.

<<  <   >  >>