للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

نساء، وقد نستعمل «قدم» ونقصد المثنى (قدمين)، وقد نستعمل المثنى (قفا نبك) ونقصد المفرد أو نقصد حتى الذات! وقد يُستعمل الجمع ويراد المثنى {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}، {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا}، وقد يستعمل المفرد ويراد الجمع {هَؤُلَاءِ ضَيْفِي}، {فإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي}، {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا}. يقول د. أنيس: «ومهما أجهد اللغويون أنفسهم في تبرير مثل تلك الاستعمالات، فلن يستطيعوا إنكار أنها لا تمتُّ للمنطق العام بصلة؛ وذلك لأن للغات منطقها الخاص.» (١)

ومن الظواهر اللغوية التي لا تخضع للمنطق «التذكير والتأنيث»: من اللغات ما يقسم الكيانات إلى مؤنث ومذكر، ومنها ما يقسمها إلى مؤنث ومذكر ومحايد، ومنها ما قصر الأمر على الحي والجماد! وقد يصيب التغير بعض الأسماء المؤنثة فتصبح مذكرًا أو العكس، وقد فقدت الفروع الحديثة للاتينية (الفرنسية والإسبانية والإيطالية، والبرتغالية والرومانية) الصيغة المحايدة، وأصبحت الأسماء المحايدة في اللاتينية مؤنثة أو مذكرة في اللغات الجديدة، وروي أن أهل الحجاز يؤنثون الطريق والصراط والسبيل والسوق والزقاق … وأن بني تميم يذكِّرون كل ذلك. وقيل إن جمع الجنس كالبقر والتمر والشعير، يُذكَّر ويؤنث، وإن هنا أيضًا بعض التفاوت بين القبائل في التذكير والتأنيث. ومعروف أن من الكلمات ما هو مذكر في لغة ومؤنث في غيرها (الشمس مذكر في الفرنسية، مؤنثة في العربية، جائزة الأمرين في العبرية والآرامية)، ويقسِّم النحاة العرب التأنيث إلى مؤنث حقيقي ومؤنث مجازي، ولكل منهما أحكامه اللغوية، وقد تستعمل الصفة المذكرة للمؤنث (امرأة كاعب، ناهد، عانس، طالق، عجوز، طروب، حامل، مرضع، أيم، عاقر، وبقرة فارض، وناقة شافع … إلخ) وتستعمل الصفة المؤنثة للمذكر (رجل داهية، علامة، باقعة، نابغة … )، وتقبل العربية صيغًا مثل: «قَالَتِ الأَعْرابُ»، «قَالَتِ اليَهُودُ»، «بَلْدَةً مَيْتًا»، «السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ»، «سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ»، «هَذِهِ سَبِيلِي»، (٢) وفي مسألة التذكير والتأنيث بصفةٍ خاصة تتجلى بوضوح عرفية الظاهرة اللغوية وخصوصيتها وتأبِّيها على المنطق الصوري والرياضي.

و «الأزمنة» في اللغة وطريقة رصدها والتعبير عنها؛ تتفاوت بين اللغات ولا تخضع لمنطق عام يشملها جميعًا، ثمة تقسيمٌ سباعي للزمن عند المحدثين: قبل الماضي - الماضي -


(١) من أسرار اللغة، ص ١٢٩ - ١٣٣.
(٢) من أسرار اللغة، ١٣٤ - ١٣٨.

<<  <   >  >>