للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

في كل لغات العالم، فالحرف الصحيح في اللغة العربية يكون مضمومًا (بُ) أو مفتوحًا (بَ) أو مكسورًا (بِ) … إلخ وكأن الحركة مجرد وصف للحرف الصحيح و «ملك» يمين له! غير أن العروضيين قد قلبوا الأوضاع فأعلوا شأن الحركات وألغوا الحرف إلغاءً، فرمزوا بالشرطة إلى الحرف ذي الحركة (متحرك -)، وبالدائرة إلى الحرف الساكن أو المد (ساكن °).

مقولة القابلية والفاعلية: المقولة التاسعة مقولة «ينفعل» والانفعال هو قبول أثر المؤثر، والمقولة العاشرة هي مقولة «يفعل» وهو التأثير في الشيء الذي يقبل الأثر، مثل التسخين والتسخن، والقطع والانقطاع، (١) وهاتان المقولتان هما من وراء نظرية العامل في النحو، «فإذا كان الشيء إما فاعلًا وإما قابلًا فلماذا لا تكون الكلمات كذلك؟ ولماذا لا يكون بعض الكلمات عاملًا في بعضها الآخر؟ مثال ذلك «حضر زيدٌ» فإن كلمة «زيدٌ» قبلت تأثير الفعل «حضر» وهو الرفع على الفاعلية وحركته (الضمة) هي ملك الحرف الأخير، الدال (مقولة الملك)، ومثال آخر: «عليك نفسك» فإن كلمة «نفس» قبلت تأثير اسم الفعل «عليك» وهو النصب على المفعولية، وحركته (الفتحة) تخص الحرف الأخير (السين) وتتبعه.»

لقد رأى النحاة الإعراب بالحركات وغيرها عوارض للكلام تتبدل بتبدل التركيب، على نظام فيه شيء من الاطراد، فقالوا: عرضٌ حادثٌ لا بد له من محدث، وأثرٌ لا بد له من مؤثر، ولم يقبلوا أن يكون المتكلم محدث هذا الأثر؛ لأنه ليس حرًّا فيه يحدثه متى شاء، وطلبوا لهذا الأثر عاملًا مقتضيًا، وعلةً موجِبة، وبحثوا عنها في الكلام، فعددوا هذه العوامل، ورسموا قوانينها … لقد تصوروا «عوامل» الإعراب كأنما هي موجوداتٌ فاعلة مؤثرة، قال الإمام الرضي: «والنحاة يجرون عوامل الإعراب كالمؤثرات الحقيقية.» (٢)

وقد عدَّد الجرجاني العوامل المائة وقسَّمها إلى فئات، فبدت شديدة السهولة والوضوح، غير أنها تعرضت في مطولات النحو للاضطراب والتعقيد من نواحٍ عديدة: ناحية العامل الواحد في إعماله أو إهماله، وناحية توجيه المعمول الواحد حسب عوامل مختلفة، وغير ذلك مما يشق على الحبر المتخصص بَلْهَ القارئ العادي، ومما جعل باحثًا


(١) د. محمد عيد: أصول النحو العربي، عالم الكتب، القاهرة، ط ٥، ٢٠٠٦، ص ٢٠٣.
(٢) د. إميل بديع يعقوب: من قضايا النحو واللغة، ص ٨١.

<<  <   >  >>