للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فإن قيل: ما معنى قوله: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ} إلى قوله: {فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ} ولم يكن لهم ذنوب فيعفى لهم عنها قلنا: العفو المراد هو رفع العبادة عنهم منه قوله صلى الله عليه وسلم: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق" ومنه قول ابن عباس: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويدعون أشياء تقذرا فلما بعث الله نبيه أحل حلاله وحرم حرامه فما حرم من شيء فهو حرام وما أحل من شيء فهو حلال وما سكت عنه عفو يريد أنه تركه بلا عبادة عليهم فكذا معنى عسى الله هو على إيجابه العفو منه لهم فلم يتعبدهم فيه بما تعبد به سواهم من قوله على لسان رسوله: "أنا برئ من كل مسلم مع مشرك" لا تراءى نارهما فقد رفع الله هذا الوعيد عنهم في إقامتهم في تلك الأمكنة لعدم استطاعتهم الهروب عنها والتحول إلى الأمكنة المحمودة ورفع التعبد عنهم في ذلك وعن زيد بن ثابت ذكر المنافقون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فريق: نقتلهم وقال فريق: لا نقتلهم فأنزل الله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} هذا حديث لم يضبطه رواته لأن المنافقين بالمدينة غير متعرضين بقتل ولا غيره لأنه كان يحملهم على علانيتهم وإن كان قد وقف من باطنهم على خلافه قال تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} إلى قوله: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} وقال تعالى: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً} الآية وأخبر بمصيرهم إلى النار إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولم يذكر في الحديث المعني الذي من أجله كانت الصحابة فيهم فئتين وروي عن زيد أن قوما خرجوا إلى أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم١ فاختلفوا فيهم فقالت فرقة: نقتلهم وقالت فرقة: لا نقتلهم فنزلت: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} إلى قوله: {وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا} فدل هذا على أن ذلك الاختلاف في أمرهم إنما كان لتركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خروجهم معه إلى قتال أعدائه بأحد ورجوعهم إلى ما سواها فحل بذلك قتلهم ورجعوا إلى غير المدينة قال زيد: رجع ناس عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقال بعض: نقتلهم وقال بعض: لا نقتلهم فأنزل الله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أنها لتنقي الرجل كما تنقي النار الفضة" يعني المدينة ودل


١ سقط من هنا شيء- ح.

<<  <  ج: ص:  >  >>