للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

كما جاء النَّهي عن النَّدب (١) على الميِّت، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - رضي الله عنهما -، قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ الله بْنِ رَوَاحَةَ، فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي وَاجَبَلاهْ، وَاكَذَا وَاكَذَا، تُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: "مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلَّا قِيلَ لِي: آنتَ كَذَلِكَ؟ " (٢).

ولمّا مات خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ - رضي الله عنه - سنة إحدى وعشرين في الشَّام، اجْتَمَعَ نِسْوَةُ بَنِي المُغِيرَةِ (بَنَاتُ عَمِّ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ) في دار خالد يَبْكِينَ عَلَيْهِ، فلمّا ذُكِر ذلك لعمر - رضي الله عنه - أذِن أَنْ يُهْرِقْنَ مِنْ أَعْيُنِهِنَّ عليه، لكن نهى عن النِّياحة ورَفْعِ الصَّوْتِ بِالْبُكَاءِ ووضع التُّرَابِ على الرَّأْسِ، قالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: "دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ (٣) أَوْ لَقْلَقَةٌ" (٤)، فرَخَّص - رضي الله عنه - بالبُكَاءِ فِي غَيْرِ نَوْحٍ.

وممَّا يستدلُّ به على الرُّخصة والإذن بالبكاء المُجَرَّدِ قول النَّبيِّ: "تَبْكِينَ أَوْ لا تَبْكِينَ مَا زَالَتِ المَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ" (٥).

الزّجر عن مساعدة من نزلت بها مصيبة الموت في البكاء والنّوح والنّدب

لا يجوز أَنْ تُجَامِلَ المَرْأَةُ المَرْأَةَ بمُسَاعَدَتهَا في النِّيَاحَةِ، فالواجب أَنْ يُتَعَزَّى بِمَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الصَّبْرِ وَالِاسْتِرْجَاعِ، وأن تذكِّر إحداهنَّ الأخرى بذلك.


(١) النَّدْب: أَنْ تَذكر النَّائحةُ شمائل الميّت وأحسن أوصافه وَأَفْعَالِهِ، وتُعَدِّد عليه كأن تقول: وَاعَضُدَاه، وَاكَاسِيَاه، وَانَاصِرَاه، وَاكَهْفَاه، وَاكَرِيمَاه، واعِزَّاه، واظهراه، وَاسَنَدَاه ... لا عِشْتُ بعده.
(٢) البخاريّ "صحيح البخاريّ" (ج ٥/ص ١٤٤/رقم ٤٢٦٧) كِتَابُ المَغَازِي.
(٣) النَّقْع: التُّرَابُ، والمراد وَضْعُهُ عَلَى الرَّأْسِ. واللَّقْلَقَة: الصَّوْت، والمراد الصَّوت المُرْتَفِع.
(٤) البخاريّ "صحيح البخاريّ" (ج ٢/ص ٨٠) ذكره البُخَارِيُّ تَعْلِيقًا فِي كِتَابُ الجَنَائِزِ، ... ووَصَلَهُ فِي "التّاريخ الأوسط" (ج ١/ص ٤٦) مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ.
(٥) البخاريّ "صحيح البخاري" (ج ٢/ص ٧٢/رقم ١٢٤٤) كِتَابُ الجَنَائِزِ.

<<  <   >  >>