للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

مِنْهُ، فَجَعَلَتْ تَسْمَعُ أَنِينَهُمْ حَتَّى مَاتُوا عَنْ آخِرهم، فقالت:

وكلُّ أمٍّ وَإِنْ سُرَّتْ بِمَا ولدتْ ... يَوْمًا سَتَثْكِلُ مَا رَبَّتْ مِنَ الوَلَد

ما يستحبّ للمرء من تقديم الفرط لنفسه

مَنْ مات ولم يقدِّم من ولده شيئًا، فهو كمن لا وَلدَ لَهُ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟ قَالَ قُلْنَا: الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ بِالرَّقُوبِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا" (١).

فكأنّ ولد المسلم على الحقيقة مَنْ مات في حياته واحْتَسَبَه، أمّا مَنْ لم يمت مِنْ ولده أحد في حياته، فهو كالرَّقُوب الَّذي لَا وَلدَ لَهُ، لِمَا فَقَدَ من ثَوَاب فَقْد الولد فِي الْآخِرَة، ولِمَا فَاتَهُ مِنْ أَجْرِ تَقْدِيمِهِ والصَّبر عليه.

إنّ فقد الولد في الدُّنيا وإن كان عظيمًا، لكنَّ فقد والده لثواب مصيبته به وصبره عليه واحتسابه أعظم! والمصاب على الحقيقة مَنْ حُرِمَ الثَّوابُ.

الولد الصّالح ينفع أبويه حيّا وميّتا

الْوَلَد الصّالح ينفع أَبَوَيْهِ إن عاش بعدهما، أو مات قبلهما، فإن عاش بعدهما دعا لهما، فانتفعا بدعائه، قال - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" (٢).

وإن مات قبلهما وصبرا عليه رِضًا بِقَضَاءِ الله تعالى رجاء فضله أعظم الله تعالى لهما الزّلفى، وكان لهما أَجْرًا وسَلَفًا.


(١) مسلم "صحيح مسلم" (ج ٤/ص ٢٠١٤) كتاب الْبِرِّ.
(٢) مسلم "صحيح مسلم" (ج ٣/ص ١٢٥٥) كِتَابُ الْوَصِيَّةِ.

<<  <   >  >>