للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)} [فاطر].

فإن قيل: كم من ميّت شاهده النَّاس على حاله بعد نبش قبره بفترة وجيزة من دفنه، فَكَيْفَ يضمّه القبر، أو ينعّم، أو يعذّب ويضرب بمطارق من حديد، ولا يظهر لَهُ أَثَرٌ؟ !

فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ ولا مستَنْكَر كالنَّائِم أو الْيَقْظَان فإنّه يجد لَذَّةً أو أَلَمًا لما يراه ويسمعه، ولا يشاهد ذلك جليسه ولا يحسُّ وَلَا يَشْعُرُ بِهِ ولا يعرفه.

ومن رحمة الله تعالى بالنَّاس أَنْ سَتَرَ عنهم عذاب القبر ولم يكشفه لهم، وصرف أبصارهم وأسماعهم عَنْ مُشَاهَدَته وسماعه؛ فلو رأى النّاس بعض العذاب أو سمعوه لانخلعت له قلوبهم، ولتركوا التَّدَافُن حذر العذاب، وخشية الفضيحة في الأحباب، لئلا يطّلع على أحوالهم، قَالَ - صلى الله عليه وسلم -: "لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ" (١).

هل أجساد الشّهداء تبلى؟

يظنُّ كثير من النَّاس أنَّ أجساد الشُّهداء لا تبلى كأجساد الأنبياء، وهذا لا دليل عليه، والثَّابت أنّ الله تعالى "حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ"، ولا نعلم أنَّه حرّم عليها غير أجسادهم، فغير الأنبياء لم يأت دليل يدلُّ على أن الأرض لا تأكل أجسادهم.

فإن قيل: فقد ثبت أنَّ بعض أجساد الشُّهداء والصَّالحين لم تأكلها الأرض


(١) أحمد "المسند" (ج ٢٠/ص ١٩٨/رقم ١٢٨٠٨) إسناده صحيح على شرط الشَّيخين.

<<  <   >  >>