للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ابن كنانة: ويجوز يسير التزمير فى النكاح.

ــ

وهل يعرف فى محبة الحق غير هذا من المحبة المتعارفة التى هى التلذذ بوجدان المحبوب، والاحتراق بفقده لاختصاص ذلك بالأمور المحسوسة المتحيزة؟ ! وهل فى امتثال الأمر من ذلك المعنى شئ يلذ به، فإن التكاليف كلها مشاق لال تفعل إلا للخوف من الله تعالى، فأى لذة فيها؟ لأنهما ضدان؛ لأن لخوف توقع ألم مستقبل وتوقع الألم ألم فى الحال، والألم ضد اللذة، وهذا المنكر جاهل ينكر ما لم يصل إليه فهمه من المحبة الخاصة التى لم يصل إليها؛ لأنه لم ينحاوز المحسوسات، وهى مختصة بالعلماء الراسخين أهل اليقين الخاص؛ حيث جاوزت علومهم المحسوسات، وكيف ينكر هذا المنكر هذه المحبة، وقد ورد بها ظاهر الشرع؟ فيما رواه أبو هريرة –رضى الله عنه- عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- "أنه ذكر غلامًا كان في بنى إسرائيل على جبل فقال لأمه: من خلق السماء؟ قالت: الله تعالى قال: من خلق الأرض؟ قالت: الله تعالى قال: من خلاق الجبال؟ قالت: الله تعالى قال: من خلاق الغيم؟ قالت: الله تعالى، فقال: إني أسمع لله شأنًا، ورمى نفسه من الجبل فتقطع.

ووجه الاستدلال أن رميه بنفسه من الجبل لم يكن إلا محبة لله تعالى بأن يتصل إليه بقطع الحجاب البدنى، وإنما قلنا: إن الرمى لم يكن إلا للمحبة؛ لأنه إنما ألقى نفسه تحيرًا من شأنه؛ فاستعظمه والشئ المستعظم يوجب الميل إليه والتلذذ به.

ويستدل بذلك أيضًا على جوده بروحه عند فرط الكشف والعيان، فإنه لما كوشف بكمال قدرة الله وحكمته، وأنه أجل من هذه المحسوسات، وكان على الفطرة السليمة جاد بروحه لأجله. وأيضًا من الظاهر أن بذل الروح لا يكون إلا من فرط المحبة، وتلك المحبة منوطة بالجمال الأزلى الإلهى. أى: الذاتى مع صفاته الذاتية، وكل من انكشف له الجمال أى جمال أحبه اهـ. المقصود منه (قوله: ابن كنانة) هو عثمان بن عيسى بن كنانة مولى عثمان بن عفان، كان يلقب بعصا مالك لكثرة ملازمته إياه، وجلس فى حلقة مالك بعد وفاته وكان يجلس عن يمينه.

<<  <  ج: ص:  >  >>