للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فمن عقل ذلك: فلابد وأن يكلف نفسه ما يحبه مولاه منه، وهذا يزيل الكبر والعُجب من قلبه، وإن كان يرى نفسه مقصرًا.

فبمثل هذا زال التكبر عن الأنبياء عليهم السلام إذ علموا أنه من نازع الله تعالى رداء الكبر قصمه.

وقد أمرهم الله أن يصغروا في أنفسهم حتى يعظم عند الله محلهم، فهذا أيضًا مما يبعث على التواضع لا محالة.

قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد " (١).

[التواضع علم وعمل]

فإن كانت حقيقة التواضع هي أن يرى العبد نفسه صغيرًا، فإن هذا المفهوم يحتاج إلى عمل يرسخ مدلوله في القلب، ويعمق معناه في النفس، وهذا هو ما أشار إليه أبو حامد الغزالى بقوله: لا يتم التواضع بعد المعرفة إلا بالعمل (٢).

وتجدر الإشارة إلى أن تكلف المرء لأفعال المتواضعين دون أن يكون منطلقها هذه الحالة القلبية من استصغار النفس قد يؤدي إلى عكس المطلوب، فيكون هذا التواضع الظاهري سببًا لزيادة إعجاب المرء بنفسه واستعظامه لها، فيعجب بتواضعه، ويظن أن عنده شيئًا ليس عند غيره.

قال ابن عمر: رأس التواضع أن ترضى بالدون من المجالس، لا لحظ نفسك، فقد يجلس أحدهم عند النعال ومعه من الكبر ما الله به عليم، وما حمله على مجلسه ذلك إلا ليقال: إنه متواضع (٣).


(١) رواه مسلم (٤/ ٢١٩٨، رقم ٢٨٦٥).
(٢) إحياء علوم الدين٣/ ٥٥٨.
(٣) صلاح الأمة في علو الهمة ٥/ ٤٥٢.

<<  <   >  >>