للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فالعبد يتعرض في يومه لأحداث كثيرة، ويتقلب بين المنع والعطاء .. وما من حدث يحدث له إلا ووراءه حكمة إلهية محورها تعريفه بربه، وتعريفة بنفسه .. ومن خلال التحليل الصحيح لهذه الأحداث يصل العبد لحقيقة علاقته بربه، وأنه لا غنى له عنه طرفة عين، فيردد من قبله ذكر: لا حولا ولا قوة إلا بالله (١).

يقول ابن عطاء: ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك. متى فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء.

ويقول أيضًا: ربما أعطاك فأشهدك بره، وربما منعك فأشهدك قهره، فهو في كل ذلك متعرف إليك، ومقبل بجميل فضله عليك.

[التعرف على الأكفاء]

ومن صور التربية الربانية: أن يضع - سبحانه وتعالى - في طريق العبد من يشعره بنقصه وضآلة حجمه، وأن هناك من هم أعلم وأكفأ منه، ولنا في قصة موسى - عليه السلام - والخضر أبلغ مثال على ذلك.

ويؤكد على هذا المعنى الماوردي بتجربة مر بها فيقول رحمه الله.

ومما أنذر به من حالي، أنني صنعت في البيوع كتابًا، جمعت به ما استطعت من كتب الناس، وأجهدت فيه نفسي، وكددت فيه خاطري، حتى تهذب واستكمل، وكدت أعجب به، وتصورت أنني أشد الناس اضطلاعًا بعلمه، ثم حضرني وأنا في مجلسي أعرابيان، فسألا عن بيع عقداه في البادية، على شروط تضمنت أربع مسائل، لم أعرف لواحدة منهن جوابًا، فأطرقت مفكرًا، وبحالي وحالهما معتبرًا. فقالا: ما عندك فيما سألناك من جواب وأنت زعيم هذه الجماعة؟ فقلت: لا. فقالا واهًا لك، وانصرفا، ثم أتيا من يتقدمه في العلم كثير من أصحابي، فسألاه، فأجابهما مسرعًا بما أقنعهما، وانصرفا عنه راضيين بجوابه، حامدين لعلمه، فبقيت مرتبكًا، وبحالهما وحالي معتبرًا. وإني لعلى ما كنت


(١) سيتم - بعون الله ومشيئته - بيان هذا الأمر بشيء من التفصيل في الفصل الثالث: معرفة حقيقة الإنسان.

<<  <   >  >>