للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الدواء المُر النافع:

من أهم صور العلاج الرباني لتخليص العبد من داء الإعجاب بالنفس ورؤيتها بعين التعظيم: أن يُخلِّي بينه وبين الذنب، فيتركه دون عصمة منه ... يتركه لضعفه ونفسه الأمارة بالسوء، فيقع في الذنب فتهتز ثقته بنفسه ويعرف حقيقته.

قال جعفر بن محمد: علم الله عز وجل أن الذنب خير للمؤمن من العُجب ولولا ذلك ما ابتلي مؤمن بذنب.

ويشرح ابن القيم هذا المعنى فيقول: إن العبد يفعل الحسنة فلا يزال يمن بها على ربه، ويتكبر بها، ويرى نفسه، ويعجب بها، ويستطيل بها، ويقول: فعلت، وفعلت، فيورثه ذلك من العُجب، والكبر، والفخر، والاستطالة، ما يكون سبب هلاكه (١).

فإذا أراد الله العبد خيرًا ألقاه في ذنب يكسره به، ويعرفه قدره، ويكفي به عباده شره، وينكس به رأسه، ويستخرج منه داء العُجب والكبر والمنة عليه وعلى عباده .. فيكون هذا الذنب أنفع من طاعات كثيرة ويكون بمنزلة شرب الدواء ليستخرج به الداء العضال (٢).

من هنا يتضح لنا قول ابن عطاء: رب معصية أورثت ذلًا وانكسارًا خير من طاعة أورثت عجبًا واستكبارًا.

ولقد سئل سعيد بن جبير: من أعبد الناس؟ قال: " رجل اجترح من الذنوب وكلما ذكر ذنبه احتقر نفسه" (٣).


(١) الوابل الصيب لابن القيم ص ٨ - مكتبة المؤيد - الرياض.
(٢) تهذيب مدارج السالكين - ١٧٠ - وزارة العدل - الإمارات.
(٣) سباق نحو الجنان لخالد أبو شادي ص ٤١ - دار النشر والتوزيع الإسلامية، نقلًا عن حلية الأولياء (٤/ ٢٧٩).

<<  <   >  >>