للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

تأمل حال موسى عليه السلام وقد نظر إلى حق ربه أولًا قبل أن ينظر إلى عمله، فقال: يارب كيف لي أن أشكرك، وأصغر نعمة وضعتها عندي من نعمك، لا يجازي بها عملي كله، فأتاه الوحي: يا موسى الآن شكرتني (١).

والذي يعين على هذه المحاسبة هو التفكر في النعم، والعمل على إحصائها - كما سبق بيانه -، ومن أهم جوانب النعم الذي ينبغي التفكر فيها عند القيام بهذه المحاسبة: نِعم الاجتباء وسبق الفضل من الله عز وجل للعبد.

[٥ - دوام التوبة]

التوبة هي النتيجة الطبيعية للمحاسبة الناجحة، التي نظر صاحبها إلى حق الله وعدم قدرته على الوفاء به، فيهرع إلى مولاه يطلب منه المسامحة والعفو .. وكلما ازددنا معرفة بحقه سبحانه، وشهدنا تقصيرنا في أدائه، عظمت توبتنا، واشتد خوفنا وازدراؤنا لأنفسنا.

وهذا ما يوضح سبب خوف الصحابة والسلف الشديد مع شدة اجتهادهم.

فهذا أبو بكر الصديق يقول: ليتني خضرة تأكلني الدواب (٢).

وهذا ابن عباس يقول لعمر بن الخطاب: مصر الله بك الأمصار، وفتح بك الفتوح، وفعل وفعل، فقال عمر: وددت أني أنجو، ولا أجر ولا وزر.

وقال عثمان بن عفان: لو أنني بين الجنة والنار ولا أدري إلى أيتهما يؤمر بي، لاخترت أن أكون رمادًا، قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير.

وقال رجل عند عبد الله بن مسعود: ما أحب أن أكون من أصحاب اليمين، أكون من المقربين أحب إليّ، فقال عبد الله: لكن ههنا رجل ودَّ أنه إذا مات لم يُبعث .. يعني نفسه (٣).


(١) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لابن القيم ص ٢٠١.
(٢) الداء والدواء لابن القيم ص ٨٠.
(٣) حياة الصحابة ٢/ ٣٧٢.

<<  <   >  >>