للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[مع الله]

تواضع العبد في علاقته مع ربه، ومعاملته له تنطلق من رؤيته لحقيقته وأصله، وأنه مخلوق عاجز، ضعيف، جاهل .. أصله هو التراب والماء المهين.

وتنطلق معاملة العبد لربه كذلك من استشعاره لعظمته - سبحانه - وجلاله وكماله، وعظيم فضله عليه، وأنه لا غنى له عنه طرفة عين.

هذه الحالة القلبية ينبغي أن يترجمها العبد في صورة تذلل ومسكنة وخضوع لله عز وجل، وإظهار عظيم افتقاره وحاجته إليه، وأنه مهما أوتي من أشكال الصحة والقوة والجمال والجاه والمال فهو كما هو، عبد ذليل لرب جليل، وأن هذه الأشياء لم تغير من حقيقته شيئًا.

وهذا ما كان يفعله رسولنا صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، ومن تبعهم بإحسان .. كانوا يظهرون خضوعهم وانكسارهم لربهم كلما ازدادوا رفعة في الدنيا.

فهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم يدخل مكة فاتحًا بعد أن أخرجه منها أهلها .. فماذا كان حاله وقت دخوله؟!

أقبل صلى الله عليه وسلم حتى وقف بذي طوى، وهو معتجر ببرد حبرة. فلما اجتمعت عليه خيوله، ورأى ما أكرمه الله به، تواضع لله حتى إن عنثوته (ذقنه) لتمس واسطة رحله (١).

وهذا النجاشي يلبس ملابس رثة، ويجلس على التراب بعد أن بلغه انتصار المسلمين في بدر، فقال له جعفر بن أبى طالب: ما بالك تجلس على التراب ليس تحتك بساط وعليك هذه الأخلاق، قال: إنما نجد فيما أنزل الله على عيسى عليه السلام: إن حقًا على عباد الله أن يحدثوا لله تواضعًا عندما أحدث لهم من نعمة، فلما أحدث الله نصر نبيه، أحدثت هذا التواضع (٢).


(١) الزهد لابن مبارك ص ٥٣ في زيادات نعيم بن حماد.
(٢) عدة الصابرين ص ٢١٢.

<<  <   >  >>