للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقال بعض السلف: أنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين، لأن زجل المسبحين ربما شابه الافتخار، وأنين المذنبين يزينه الانكسار والافتقار (١).

من هنا يتضح لنا أن من صور تربية الله للعبد: أن يتركه، ولا يعصمه من الوقوع في الذنب، فينكس رأسه، و يهتز صنمه، وهذا أحب إلى الله من فعل كثير من الطاعات، فإن دوام الطاعات وترك المنكرات قد توجب لصحبها العُجب، قال الحسن: لو أن ابن آدم كلما قال أصاب، وكلما عمل أحسن، أوشك أن يُجَن من العُجب.

قال بعضهم: ذنب أفتقر به إليه أحب إلى من طاعة أدل بها عليه.

فالمقصود من زلل المؤمن ندمه، ومن تفريطه أسفه، ومن اعوجاجه تقويمه، ومن تأخره تقديمه (٢).

انتبه:

هذا العلاج الرباني ليس معناه أن يستمرئ العبد الذنب، ويفرح به ولا يجد غضاضة في فعله، فالذنب - كما نعلم - له أضراره الخطيرة على فاعلة من حرمان للتوفيق والرزق، ومن ضيق في الصدر، وتعسير في الأمور {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: ٣٠].

من هنا يتضح لنا أن هذا الدواء المر لا ينبغي للعبد أن يسعى إليه طمعًا في ثماره، فالله عز وجل أعلم بعباده، وأدرى بمن يصلحه هذا الدواء من غيره.

[الحرمان من القيام بالطاعة]

ومن صور التربية الفريدة: أن يمنع سبحانه وتعالى عن العبد بابًا من أبواب الطاعة، صيانة وحفظًا له من تسلط نفسه وإلحاحها عليه ليحمدها ويرضي عنها.


(١) لطائف المعارف لابن رجب ص ٢٤ - مؤسسة الريان - بيروت.
(٢) المصدر السابق.

<<  <   >  >>