للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

التواضع عند الرِفعة:

إذن فعندما نبتلى بمنصب أو جاه بين الناس علينا أن نكثر من أعمال التواضع، لأن النفس في هذه الحالة تريد أن تشمخ وتخلع جلباب العبودية، وتلبس لباس التيه والفخر، وبالمبالغة في التواضع تعود إلى أصلها.

انظر إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقد استمر في حلب الأغنام لجيرانه بعد توليه الخلافة، ويقول لهم بعد أن ظنوا أنه لن يستمر في ذلك: بل لعمري لأحلبها لكم، وإني لأجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه خلق كنت عليه، فاستمر يحلب لهم (١).

ولما بعث عمر أبا هريرة أميرًا للبحرين دخلها وهو راكب على حمار، وجعل يقول: طرقوا للأمير، طرقوا للأمير (٢).

ورئي عثمان بن عفان على بغلة، وخلفه عليها غلامه نائل وهو خليفة، ورئي كذلك نائمًا في المسجد في ملحفة ليس حوله أحد وهو أمير المؤمنين (٣).

قال أيوب السختياني: ينبغي للعالم أن يضع الرماد على رأسه تواضعًا لله عز وجل (٤).

ويحكي ابن الحاج في المدخل عن الشيخ الزيات - الذي كان من أكابر العلماء الصلحاء في وقته ببلاد المغرب - أنه كان إذا جلس إلى الدرس يجتمع له نحو من أربعمائة أو ستمائة من الفقهاء يحضرون إليه، فإذا فرغ من مجلسه قام ودخل بيته، وأخرج ما يحتاج إليه على رأٍسه أو في يده من قمح أو عجين يخبزه، أو شراء خضرة أو حاجة من السوق، أو حصاد لزرعه بيده، أوغسل ثياب إلى غير ذلك من الحوائج (٥).


(١) سير السلف الصالحين للأصبهاني ١/ ٨٣ - دار الراية - الرياض.
(٢) تنبيه الغافلين ص ١٤٢.
(٣) الزهد للإمام أحمد ص ١٢٧.
(٤) أخلاق العلماء للآجري ص ٦٤.
(٥) المدخل لابن الحاج ٢/ ٣١٩.

<<  <   >  >>