للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ولقد جئ إليه صلى الله عليه وسلم يومًا بطعام، فقالت له عائشة رضي الله عنها: لو أكلت يا نبي الله وأنت متكئ كان أهون عليك، فأصغى بجبهته حتى كاد يمس الأرض بها وقال: " بل آكل كما يأكل العبد، وأنا جالس كما يجلس العبد، وإنما أنا عبد " (١).

ودخل عليه رجل فأصابته من هيبته رعدة، فقال له: " هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد " (٢).

[ضع نفسك]

من أهم صور التواضع المرء عند نفسه: عدم تقديم نفسه للقيام بعمل ما، وكذلك رؤيته أنه ليس أهلًا للعمل الذي يتم ترشيحه له: كطلب الدعاء منه، أو تقديمه للإمامة في الصلاة، أو التحدث أمام الناس.

فهذا أبو بكر الصديق يقول في أول خطبة له بعد توليه الخلافة: قد وليت عليكم ولست بخيركم .. مع أنه خير الناس جميعًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه استصغار النفس.

وهذا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقال له: يا أمير المؤمنين! لو أتيت المينة، فإن قضى الله موتًا دفنت موضع القبر الرابع، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر، قال: والله لأن يعذبني الله بكل عذاب، إلا النار فإنه لا صبر لي عليها، أحب إلى من أن يعلم من قلبي أني أرى أني لذلك أهل (٣).

وكان كثير من السلف يكره أن يُطلب منه الدعاء ويقول لمن يسأله: أي شيء أنا، وكتب رجل إلى الإمام أحمد يسأله فقال: إذا دعونا نحن لهذا فمن يدعو لنا (٤).


(١) أخرجه بن المبارك في الزهد ص ٥٣ في زيادات نعيم بن حماد.
(٢) صحيح، رواه ابن ماجه والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ح (٧٠٥٢).
(٣) سيرة ومناقب عمر بن العزيز لابن الجوزي ص ٢٢٧.
(٤) شرح حديث ما ذئبان جائعان لابن رجب ص ٦٩ - مؤسسة الريان - بيروت.

<<  <   >  >>