للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

سئل رياح القيسي: يا أبا مهاجر ما الذي أفسد على العمال أعمالهم؟ فقال: حمد النفس، ونسيان النعم (١).

فالعُجب خاطر يهيج في داخلك يدعوك لاستعظام عملك واستكثاره فتقول في نفسك: لقد قويت وصبرت واستطعت فعل كذا ... لقد جاهدت ... لقد فهمت كذا ... صمت في يوم شديد الحر ... لقد أنفقت كذا ... فرحًا من نفسك بقوتها، معظمًا لها مع نسيان نعمة الله عليك في القيام بذلك (٢).

[الداء الخبيث]

إعجاب المرء بنفسه ولو في جزئية صغيرة يؤدي به إلى استعظامها، ورؤيتها أكبر من غيرها في هذه الجزئية، والاعتقاد في نفعها، وفي أنه يمكنه بذاته أن يستدعى موهبته في أي وقت يشاؤه ليظهر من خلالها فضله وتميزه على غيره.

هذا المفهوم قد يصغر عند البعض، وقد يكبر عند البعض الآخر.

ويظن الكثير منا أن داء الإعجاب بالنفس لا يصيب إلا أهل التصدر بين الناس وأصحاب الإمكانات والمواهب العالية فقط، والحقيقة أن هؤلاء بالفعل أكثر عرضة من غيرهم للإصابة بهذا المرض، إلا أنه لا يصيب هؤلاء فقط، بل يحاول مع الجميع، وينتظر اللحظة المناسبة للتمكن من نفس أي إنسان.

فإن كنت في شك من هذا فما تفسيرك لحالة فقير معدم مجهول بين الناس ومع ذلك هو عند نفسه كبير، بل يرى كذلك تميزه على غيره بما لديه من مواهب متوهمة؟!

إنه داء خبيث يعرف طريقه جيدًا إلى النفوس، فما من موقف إيجابي يقوم به الإنسان - قولًا كان أو فعلًا - إلا ولهذا الداء محاولة للتأثير على نفسه، والعمل على تضخيمها والإعجاب بها ونسيان المنعم سبحانه وتعالى.


(١) الرعاية لحقوق الله ص ٤٢٩.
(٢) المصدر السابق - بتصرف ص ٤٢١، ٤٢٢.

<<  <   >  >>