للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الطعام وتلهيها عن الزاد

لها بوجهك نور يستضاء به ... ومن حديثك في أعقابها حاد

[الفرح المحمود]

تبقى نقطة أخرى في هذا الموضوع، وهي خاصة بمسألة الشعور بالفرح والسرور الذي ينتاب الفرد في بعض الأوقات عند ورود نعمة، أو عند التوفيق للقيام بعمل صالح .. هل هذا الفرح مذموم أو لا؟!

الفرح المذموم هو فرح المرء بنفسه وافتخاره بها أنها صارت كذا وكذا، أو قامت بفعل كذا وكذا، وهذا الذي تلبس به قارون: {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} [القصص: ٧٦].

أما الفرح المحمود فهو فرح العبد بربه أن أكرمه بهذه النعمة واختصه بها، وأن وفقه للقيام بهذه الطاعة وجعله سببًا لدعوة الناس وإقبالهم على دينه ... وهذا ما يؤكده قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: ٥٨].

فلا يستطيع أحد أن يمنع نفسه من الفرح عند تلقى أخبار سارة، أو ورود نعمة جديدة، أو القيام بعمل من الأعمال والنجاح فيه، لكن علينا أن ننسب كل فضل لله، وأن يكون فرحنا به سبحانه وتعالى، مثل قوله تعالى: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ} [الروم: ٤، ٥]. ونترجم هذا الفرح بمناجاة الله وحمده على فضله وتوفيقه، وأنه لولاه ما تم شيء من هذا أبدًا.

ومما يلحق بهذه النقطة قوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: " تلك عاجل بشرى المؤمن " عندما سأله: يا رسول الله، أرأيت الرجل يعمل العمل لله يحمده الناس عليه؟!

فالضابط لفرح أحدنا بحمد الناس له أن يكون منشأ فرحه: الفرح بالله وبفضله وتوفيقه للقيام بهذا العمل، والذي يساعده على ذلك المسارعة إلى شكر الله - عز وجل - ومناجاته، وأن ينسب الفضل كله إليه.

يقول ابن القيم: والذي يساعد العبد على تصفية سروره من شوائب الطغيان أن يبالغ في الشكر ويكثر منه، وكذلك التواضع والتذلل لله عز وجل.

<<  <   >  >>