للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ولما كان يوم بدر، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في قبة فقال: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين «فقال عُمير بن الحمام: بخ بخ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لم تُبخبخ؟ «قال: أرجو أن أكون من أهلها، قال: «فإنك من أهلها»، قال: فانتثل ثمرات من قرنه، فجعل يلوكهن، ثم قال: والله لئن بقين حتى ألوكهن، إنها لحياة طويلة، فنبذهن وقاتل حتى قتل (١).

إن أسرع ما يدفع النفوس للبذل والعطاء، هو التذكير بما أعد الله تعالى لهم في الآخرة، من النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، ولذا لما سمع عمير رضي الله عنه، البشرى من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استرخص حياته، وعلم أن ما عند الله خير وأبقى، فسارع إلى مرضاة الله تعالى؛ لينتقل من الضيق إلى السعة ومن الألم إلى النعيم، فإن الدنيا بما فيها، تضييق في قلوب المؤمنين، حين تلامس أسماعهم، بشائر الخير، وفضائل البر، ومكرمات الرحمن؛ إذ تتفجر حينها داخل النفس صراعات، بين دواعي الخير والشر، فيعلو صوت الحق وتنتصر دواعي الخير؛ لقاء ما عند الله تعالى من الفضل والخير.

وحين يتخلص المرء، من قيود النفس ورغباتها، تنطلق نحو الهدف الأسمى، فلا تقف النفس حينها عند حدود، ولا تعترف بأي قيود، وحين تهفو النفوس إلى الآخرة، فإنها تحس بشيء من لذتها، وتشعر بأنفاس نعيمها ولذا قال أنس بن النصر رضي الله عنه، يوم بدر: (والذي نفسي بيده، إني لأجد ريح الجنة دون أحد، واها لريح الجنة)، فوجد رضي الله عنه بين القتلى به بضع وثمانون من ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، قد مثلوا به فما عرفته إلا أخته ببنانه (٢).

وقد عاش الصالحون جنة الدنيا، قبل جنة الآخرة، بالأنس بالله تعالى والقرب منه، فوجدوا لذة وسعادة، لا يشبهها شيء من نعيم الدنيا البتة وليس له نظير يقاس به، وهو حال من أحوال أهل الجنة، حتى قال بعض العارفين: إنه لتمر بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا، إنهم لفي عيش طيب.


(١) ابن سعد: الطبقات الكبرى، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١٠ هـ، (٣/ ٤٢٦)
(٢) أبو نعيم: معرفة الصحابة، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤١٩ هـ، (١/ ٢٣٠)

<<  <   >  >>