للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

المقصود من إنزاله التطهير به، وتسميته طهورا، لا يفيد اعتباره مطهرا بنفسه، أي رافعا للأمر الشرعي بلا نيّة، بخلاف إزالة الخبث، لأنَّ ذلك محسوس أنه مقتضى طبعه، ولا تلازم بين إزالته حسّا صفة محسوسة، وبين كونه يرتفع عند استعماله اعتبار شرعي، أعني الحدث، وقد حققنا في بحث الماء المستعمل أنَّ التطهير ليس من مفهوم (طهور)، والمفاد من (ليطهركم) كون المقصود من إنزاله التطهير به، وهذا يصدق مع اشتراط النيّة كما قال الشافعي: "وعدمه كما قلنا" (١).

ثم ذكر أن مستنده في عدم إيجاب النيّة في الوضوء هو عدم الدليل على الإيجاب وسيأتي ما فيه.

٢ - وأما دليلهم الثاني فالرد أننا نجزم بأنّ المراد بالوضوء والغسل رفع الحدث لا جريان الماء ولا الوضاءة، واستدلالهم على أنَّ الحدث يرتفع بقياس الأوْلى مردود، لأن رفع الخبث أمر حسيّ مشاهد لا يستدعي أن يكون رافعه من أهل العبادة، بل هو بمنزلة كنس الدار، وتنظيف الطرقات، وطرح المميتات، والخبائث، فزوال النجاسة لا يفتقر إلى فعل المكلف، بل لو أصابها المطر فأزال عينها طهر المحل بخلاف الطهارة من الحدث، فإن الله أمر بأفعال متميزة لا يكون المكلف مؤديا ما أمر به إلاّ بفعلها الاختياري الذي هو مناط التكليف. وقد سئل الإمام أحمد عن رجل توضّأ، فأصاب رأسه ماء السماء، فمسحه بيده، أيجزيه من مسحه برأسه؟ قال: إذا نوى أخشى أن لا يجزيه حتى ينوي.

وسئل عن رجل جنب وقع في ماء: أيجزيه عن الجنابة؟ قال: إذا نوى.

وسئل عمن اغتسل من الجنابة، ولم يتوضأ، أيجزيه؟ قال: إذا نوى الوضوء (٢).

وقد تعرّض ابن العربي -رحمه الله- للفرق بين طهارة الحدث والطهارة من


(١) فتح القدير (١/ ٩٠).
(٢) مسائل الإمام أحمد (ص ٦).

<<  <   >  >>