للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

اجتمعا جميعا فلا بد وأن يتدافعا بالضرورة".

وقد استدل بالإجماع المنعقد على صحة الحج ممن قصد التجارة في حجه مع أن حجه قد امتزج به حظ من حظوظ النفس.

وكذلك الغزاة الذين يقصدون نيل الأسلاب والغنائم هم من المجاهدين في سبيل الله، ولا يخرجهم ذلك عن كونهم مجاهدين، وإنما كان الأمر كذلك لأنَّ "الباعث الأصلي والمزعج القوي هو إعلاء كلمة الله، وإنما الرغبة في الغنيمة على سبيل التبعية، فلا يحبط به الثواب، نعم لا يساوي ثوابه ثواب من لا يلتفت قلبه إلى الغنيمة أصلا، فإن هذا الالتفات نقصان لا محالة".

والغزالي لم تخف عليه النصوص التي تدلّ على أن العمل المشوب بالرياء باطل، كقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (١)، وحديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النّار يوم القيامة، والأحاديث التي يعدّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- الرياء فيها شركا، والتي يقول الله فيها يوم القيامة للمرائي: خذ عملك ممن عملت، والحديث الذي يحصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيه الجهاد فمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.

أقول لم تخف هذه النصوص عن الغزالي، ولم تغلب عن باله، فهو يذكرها، ثمّ يعقب عليها قائلا: "هذه الأحاديث لا تناقض ما ذكرناه، بل المراد منها من لم يرد إلا الدنيا، كقوله: "من هاجر يبتغي شيئًا من الدنيا، وكان ذلك هو الأغلب على همه ... ، وأما لفظ الشركة حيث ورد فلا مطلق للتساوي، وقد بينا أنه إذا تساوى القصدان تقاوما، ولم يكن له ولا عليه، فلا ينبغي أن يرجى عليه ثواب، ثم إن الإنسان عند الشركة في خطر أبدا، فإنَّه لا يدري أي الأمرين أغلب على قصده، فربما يكون عليه وبالا ... ".

هذا خلاصة مذهب الذين اتجهوا للنظر في قوة الدافع.


(١) سورة الكهف /١١٠.

<<  <   >  >>