للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد قيل إن هذا الرجل عارض القرآن بكتاب سماه "التاج" ولم نقف على شيء منه في كتاب من الكتب، مع أن أبا الفداء نقل في تاريخه أن العلماء قد أجابوا على كل ما قاله من معارضة القرآن وغيرها من "كفرياته" وبينوا وجه فساد ذلك بالحجج البالغة, والذي نظنه أن كتاب ابن الراوندي إنما هو في الاعتراض على القرآن ومعارضته على هذا الوجه من المناقضة، كما صنع في سائر كتبه؛ كالفريد، والزمردة، وقضيب الذهب، والمرجان١ فإنها فيما وصفت به ظلمات بعضها فوق بعض، وكلها اعتراض على الشريعة والنبوة بمثل تلك السخافة التي لا يبعث عليها عقل صحيح، ولا يقيم وزنها علم راجح٢.

وقد ذكر المعري هذه الكتب في "رسالة الغفران"، ووفى الرجل حسابه عليها، وبصق على كتبه مقدار دلو من السجع!. وناهيك من سجع المعري الذي يلعن باللفظ قبل أن يلعن بالمعنى!.

ومما قاله في "التاج"، وأما تاجه فلا يصلح أن يكون فعلًا, وهل تاجه إلا كما قالت الكاهنة: أف وتف٣ وجورب وخف. قيل: وما جورب وخف؟ قالت: واديان بجهنم!.

وهذا يشير إلى أن الكتاب كذب واختلاق وصرف لحقائق الكلام كما فعلت الكاهنة؛ وإلا فلو كانت معارضته لنقض التحدي وقد زعم أنه جاء بمثله لما خلت كتب التاريخ والأدب والكلام من


١ يخيل إلينا أن ابن الراوندي كان ذا خيال، وكان فاسد التخيل، وإلا فما هذه الأسماء؟ وأين هي مما وضعت له؟ والخيال الفاسد أشد خطرًا على صاحبه من الجنون؛ لأنه فساد في الدماغ،؛ ولأنه حديث متوثب، فما يملك معه الدين ولا العقل شيئًا، وأظهر الصفات في صاحبه الغرور.
٢ كتبنا هذا للطبعة الأولى ثم وقفنا بعد ذلك على أن كتاب "التاج" يحتج فيه صاحبه لقدم العالم وأنه ليس للعالم صانع ولا مدبر ولا محدث ولا خالق.
أما كتابه الذي يطعن فيه على القرآن فاسمه "الدامغ" قالوا إنه وضعه لابن لاوي اليهودي وطعن فيه على نظم القرآن, وقد نقضه عليه الخياط وأبو علي الجبائي، قالوا: ونقضه على نفسه, والسبب في ذلك أنه كان يؤلف لليهود والنصارى الثنوبة وأهل التعطيل، بأثمان يعيش منها. فيضع لهم الكتاب بثمن يتهددهم بنقضه وإفساده إذا لم يدفعوا له ثمن سكوته.
قال أبو عباس الطبري: إنه صنف لليهود كتاب "البصيرة" ردا على الإسلام لأربعمائة درهم أخذها من يهود سامرا، فلما قبض المال رام نقضه، حتى أعطوه مائة درهم أخرى فأمسك عن النقض!
أما ما قيل من معارضته للقرآن فلم يعلم منها إلا ما نقله صاحب "معاهد التخصيص" قال: اجتمع ابن الراوندي هو وأبو علي الجبائي يومًا على جسر بغداد، فقال له: يا أبا علي، ألا تسمع شيئًا من معارضتي للقرآن ونقضي له؟ قال الجبائي: أنا أعلم بمخازي علومك وعلوم أهل دهرك، ولكن أحاكمك إلى نفسك. فهل تجد في معارضتك له عذوبة وهشاشة وتشاكلًا وتلاؤمًا ونظمًا كنظمه وحلاوة كحلاوته؟ قال: لا والله. قال: قد كفيتني، فانصرف حيث شئت.
ويقال إن ابن الراوندي كان أبوه يهوديا وأسلم، والخلاف في أمره كثير، وبلغت مصنفاته مائة كتاب وأربعة عشر كتابًا.
٣ الأف: وسخ الأذن، والتف: وسخ الأنف.

<<  <  ج: ص:  >  >>