للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وكان من خلال المناورة السياسية أن ربحت الكنيسة مكانتها بمثابة ديانة رسمية للإمپراطورية الرومانية، وما رافق ذلك من سلطة مدنية وامتيازات (١).

وطالما حاولت الكنيسة أن تسند وجودها وسلطانها إلى المسيح - عليه السلام -، إما بتأويل كلمات قالها بالفعل تأويلًا يناسب أهدافها، وإما باختراع كلمات لم يقلها وإلصاقها به، كما فعلت في قضية البنوة والتأليه، وإعطاء قانون قيصر شرعية كشريعة الله. فزعمت الكنيسة أن المسيح قال لبطرس كبير الحواريين: «أنت بطرس (٢)، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها. وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطًا في السماوات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولًا في السماوات» (٣).

يقول الدكتور سفر الحوالي (٤): «والمسيح - عليه السلام - بشر رسول لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، فكيف يجوز أن ينسب إليه أنه يمتلك مفاتيح الملكوت التي لا يملكها إلا الله وحده؟ وإذا كنا ننكر جازمين أن يملكها المسيح فلا معنى للجدال في كونه وهبها لبطرس أو لم يهبها، وكون الكنيسة ورثتها من بطرس أو لم ترثها، فالخطأ هنا أساسي لا يمكن إقراره، كما لا يمكننا أن نقر بأن المسيح إله» اهـ.

ولقد رتبت الكنيسة على هذا الزعم أن المكان الذى مات فيه بطرس - وهو روما - لا بد أن يكون مقرًا للنفوذ الديني الذي يبسط ذراعيه على الأرض كلها ممثلًا في


(١) هيلين إيليربي: الجانب المظلم في التاريخ المسيحي، ص (٤٢ - ٣) باختصار.
(٢) يقول يواكيم پرنز: «وكان بطرس يدعى شمعون، وهو اسم يهودي قديم، لكن تحوله ومنصبه الجديد استدعى تسميته باسم جديد، وقد رأينا من قبل أن الطفل عندما يعمد يعطى له اسم جديد، حتى في التقاليد اليهودية يعد الاسم مقدسًا؛ فهو يشكل ويوضح مصير الشخص واتجاهه ... وهكذا أصبح شمعون يدعى سيفاس، وهي عبارة آرامية تعني الصخرة، وعليه ترجم اسمه إلى اللاتينية والإغريقية باسم پيترا، أي الصخرة، وطبقًا لإنجيل مرقس نرى أنه عندما اعترف شمعون بن يوحنا بيسوع الناصري وآمن به بأنه المسيح الرب الحي، التفت إليه يسوع وقال: "إنك أنت بطرس [الصخرة]، على هذه الصخرة أبني كنيستي" ...». [يواكيم پرنز: بابوات يهود من جيتو روما، ص (٦٣)].
(٣) متى ١٦: ١٨ - ١٩
(٤) د. سفر الحوالي: العلمانية، نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة، ص (٨٣).

<<  <   >  >>