للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

المقدس، وفوق كل ذلك لا أحد منا يأخذ بحُجُزاتهم اليوم ليقيموا عندنا وفي أرضنا، فالطرق السريعة مفتوحة لهم إلى أي مكان يريدون أن يرحلوا إليه، ويمكنهم الانتقال إلى بلدهم في أي وقت يشاءون. وإذا هم اختاروا الرحيل عنا، فنحن مستعدون أن نقدم إليهم حسن المعونة، حتى نتخلص منهم. فهم عبء ثقيل علينا في وطننا، بل هم أشبه بالوباء والطاعون، وما رأينا منهم إلا النكبات!»، وقال كذلك (١): «... فإذا شاءوا فليعودوا إلى أرض كنعان، ويقيموا أحكام الشريعة، ويُخضِعوا لهم الوثنيين والغرباء. وحينئذ فليمتصوا الغرباء الأجانب بالربا قدر ما يحتمل هؤلاء منهم» اهـ.

والأمر كما يقول الباحث محمد السماك (٢): «إن الأفكار أشبه ما تكون بالفيروسات، فهي تعيش وتنتشر عندما تجد استعدادًا لتقبلها، وهي تموت وتندثر عندما تواجه مناعة ترفضها وتقطع أوصالها».

[المجتمع النصراني الغربي في بداية عصر النهضة: بداية التزوير التاريخي]

ولعل أحد أبرز العوامل التي هيأت البيئة الغربية لتقبل هذه الأفكار هي أطروحات لوثر الأولى حول اليهود، والتي رسخت بفعل ترجمته الحرفية للكتاب المقدس وبفعل الواقع الذي عاشه المجتمع في ظل الطغيان البابوي. ولو أردنا تتبع التغيرات التي طرأت على المجتمع النصراني الغربي في عصر النهضة (القرنان السادس عشر والسابع عشر) لاقتبسنا في المقام الأول من دراسة الباحثة الدكتورة ريچينا الشريف، «الشاقة»، كما يصفها الأستاذ الدكتور مصطفى حلمي (٣)، فهو بحث نفيس جدًا في بابه، ومن بركة العلم عزوه إلى قائله كما قال الحافظ السيوطي (٨٤٩ - ٩١١هـ/١٤٤٥ - ١٥٠٥م) وغيره.

فنقول: لقد اتخذ النسيج الصهيوني شكله الديني والاجتماعي والفكري والسياسي خلال القرون الأربعة لتاريخ أوروپانتيجة تداخل خيوط كثيرة مختلفة من الثقافة الغربية،


(١) السابق، ص (١٢٥ - ٦).
(٢) قاله في مقدمة ترجمته العربية لكتاب جريس هالسل: النبوءة والسياسة، ص (٢٥). Grace Halsell: Prophecy and Politics
(٣) انظر، د. مصطفى حلمي: نكبة فلسطين، ص (٢٨).

<<  <   >  >>