للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فلقد كان من أوعية العلم» (١).

وقد اتهم كعب الأحبار بالتآمر لقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، حيث جاءت رواية في الطبري تشير إلى هذا الاتهام، فتقول الرواية (٢): «... ثم انصرف عمر إلى منزله، فلما كان من الغد جاءه كعب الأحبار فقال له: يا أمير المؤمنين، اعهد فإنك ميت في ثلاثة أيام، قال: وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب الله - عز وجل - التوراة. قال عمر: آلله إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهم لا، ولكني أجد صفتك وحليتك، وأنه قد فنى أجلك، قال: وعمر لا يحس وجعًا ولا ألمًا، فلما كان من الغد جاءه كعب، فقال: يا أمير المؤمنين، ذهب يومان وبقي يوم وليلة، وهي لك إلى صبيحتها، قال: فلما كان الصبح، خرج إلى الصلاة، وكان يوكل بالصفوف رجالًا، فإذا استوت، جاء هو فكبَّر. قال: ودخل أبو لؤلؤة في الناس، في يده خنجر له رأسان نصابه في وسطه، فضرب عمر ست ضربات، إحداهن تحت سرته، وهي التي قتلته» اهـ.

وقد بنى بعض المفكرين المحدثين على هذه الرواية نتيجة، مفادها اشتراك كعب الأحبار في مؤامرة قتل أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه -، وهذا الاتهام باطل لأمور كثيرة، من أهمها:

١ - أن هذه القصة لو صحت لكان من المنتظر من عمر - رضي الله عنه - أن لا يكتفي بقول كعب، ولكن لجمع طائفة ممن أسلم من اليهود وله إحاطة بالتوراة مثل عبد الله بن سلام - رضي الله عنه -، ويسألهم عن هذه القصة، وهو لو فعل لافتضح أمر كعب، وظهر للناس كذبه، ولتبين لعمر - رضي الله عنه - أنه شريك في مؤامرة دبرت لقتله، أو أنه على علم بها، وحينئذ يعمل عمر - رضي الله عنه - على الكشف عنها بشتى الوسائل.

٢ - أن هذه القصة لو صحت أيضًا لكان معناها أن كعبًا يكشف عن نفسه بنفسه، وذلك باطل لمخالفته لطباع الناس، إذ المعروف أنه من اشترك في مؤامرة، يبالغ في كتمانها بعد وقوعها، تفاديًا من تحمل تبعاتها.


(١) الذهبي: سير أعلام النبلاء (٣/ ٤٨٩ - ٩١) باختصار.
(٢) ابن جرير الطبري: تاريخ الرسل والملوك (٤/ ١٩١).

<<  <   >  >>