للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ثانيًا: إنهم جعلوا عقيدة التقية هي المخرج من الاختلاف والتناقض في أخبارهم وأحاديثهم، فإن ظاهرة التناقض في أحاديثهم كانت من أقوى الدلائل على أنها من عند غير الله؛ قال تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} (١)، ولهذا كان ذلك الاختلاف الكثير في أخبارهم من أسباب ترك بعض الشيعة للتشيع كما اعترف بذلك الطوسي (٢).

ثالثًا: أنهم قالوا بعصمة الأئمة وأنهم لا ينسون ولا يسهون ولا يخطئون مع أن الناس حفظوا عنهم ما يخالف ذلك وينافي عصمتهم، فقالوا بالتقية للمحافظة على دعوى عصمة الأئمة، تلك العصمة التي بسقوطها تسقط قيمة أقوالهم وبالتالي يسقط مذهب الشيعة، ولهذا قال سليمان بن جرير: "إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين، لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبدًا، وهما القول بالبداء وإجازة التقية" (٣).

رابعًا: جعلت التقية وسيلة للكذب على الأئمة، فيردون - مثلًا - كلام الإمام الباقر أو جعفر الصادق الذي سمعه مجموعة من الناس بحجة أنه قد حضره بعض السنة فاتقى في كلامه، ويقبلون ما ينقله الكذبة أمثال جابر الجعفي [ت. ١٢٧هـ] بحجة أنه لم يحضر مجلسه أحد يتقيه، فما ينقله غلاة الروافض والزنادقة عن أئمة أهل البيت مقبول عندهم، وما ينقله العدول من المسلمين مردود بدعوى التقية (٤).


(١) النساء: ٨٢
(٢) قال في مقدمة (تهذيب الأحكام): «... وكثير منهم رجع عن اعتقاد الحق لما اشتبه عليه الوجه في ذلك، وعجز عن حل الشبهة فيه». [أبو جعفر الطوسي: تهذيب الأحكام (١/ ٢)].
(٣) انظر، النوبختي: فرق الشيعة، ص (٧٦).
(٤) وذكر لذلك مثالًا، وهو ما رواه «زيد بن علي عن آبائه عن علي - عليه السلام - قال: جلست أتوضأ فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله حين ابتدأت في الوضوء، فقال لي: تمضمض واستنشق واستَن [أي استعمل السواك]، ثم غسلت ثلاثًا فقال: يجزيك من ذلك المرتان، فغسلت ذراعي ومسحت برأسي مرتين، فقال: قد يجزيك من ذلك المرة، وغسلت قدمي فقال لي: يا علي خلل بين الأصابع لا تخلل بالنار»، فيعلق الطوسي على ذلك بقوله: «فهذا خبر موافق للعامة وقد ورد مورد التقية لأن المعلوم الذي لا يتخالج فيه الشك من مذاهب أئمتنا عليهم السلام القول بالمسح على الرجلين وذلك أشهر من أن يدخل فيه شك أو ارتياب، بين ذلك أن رواة هذا الخبر كلهم عامة ورجال الزيدية وما يختصون بروايته لا يعمل به على ما بين في غير موضع» اهـ[أبو جعفر الطوسي: الاستبصار فيما اختلف من الأخبار (١/ ٦٥ - ٦)، باب وجوب المسح على الرجلين].

<<  <   >  >>