للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

حوائط يعملون فيها ويأكلون من غلَّتها، وكان كثير من المهاجرين يتاجرون. ومن الواضح أنَّ التجارة في المدينة ــ وهي مَحوطة بالمشركين من كلِّ جانب ــ لم تكن لتتسع للمهاجرين كلهم، فبقي بعضهم بالصُّفَّة، وكان أهل الصُّفة يقومون بفروض عظيمة، منها: تلقِّي القرآن والسنن، فكانت الصُّفة مدرسة الإسلام، ومنها حراسة النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ومنها الاستعداد لتنفيذ أوامره وحاجاته في طلب من يريد طلبه من المسلمين وغير ذلك. كانوا قائمين بهذه الفروض عن المسلمين، فكانت نفقتهم على سائر المسلمين وإن سُمِّيَت صدقة. وكانوا بجوار النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يُؤْثرهم على نفسه وأهل بيته، وقد حدَّث عليّ رضي الله عنه أنه قال لفاطمة عليها السلام يومًا: «والله لقد سنوتُ حتى لقد اشتكيتُ صدري، وقد جاء الله أباك بسبي، فاذهبي فاستخدميه، فقالت: وأنا والله لقد طحنت حتى مجلت يداي ... » الحديث، وفيه أنهما أتيا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فذكرا له ذلك فقال: «والله لا أعطيكما وأدعُ أهلَ الصُّفَّة تطوي بطونُهم لا أجد ما أنفق عليهم ... » الحديث، انظر «مسند أحمد» الحديث (٨٣٨) (١). وكان أبو هريرة من بين أهل الصُّفَّة يخدم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ويدور معه، فلم يكن ليجوع إلا والنبي - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته جياع، فهل في ذلك الجوع من عيب؟

وأمّا تعُّرضه لبعض الصحابة رجاء أن يطعمه، فإنما فعل ذلك مرة أو مرتين لشدَّة الضرورة، ولم يكن في تعرّضه سؤال ولا ذكر لجوعه. وقد نقل الله تعالى في كتابه أن موسى والخضر مرَّا بأهل قرية فاستطعماهم (٢)، وانظر


(١) وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٩٥٦)، وابن ماجه (٤١٥٢) وغيرهم. وانظر حاشية المسند: (٢/ ٢٠٣).
(٢) الآية (٧٧) من سورة الكهف.