للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب بها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تُمسكُ ماءً ولا تُنبت كلأً» (١).

إذا طُبّق هذا الحديث على أهل الحديث فثقاتهم كلّهم داخلون في الفرقتين الأوليين المحمودَتَين، راجع «فتح الباري» (١٦١: ١) (٢). وفي حديث زيد بن ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الترمذي وغيره: «نضَّر الله امرءًا سمع منَّا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، فربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربّ حامل فقه ليس بفقيه» (٣). فشمل الدعاء كما ترى من حَفِظ وبَلَّغ وإن لم يكن فقيهًا.

وذَكَر عن الثوري: «لو كان الحديث خيرًا لذهب كما ذهب الخير».

أقول: لم يقصد نفيَ الخير عن الحديث نفسه، كيف والقرآن خير كلُّه ولم يذهب، ولا عن طلب الحديث جملة [ص ٢٠٩]، فإن المتواتر المعلوم قطعًا عن الثوري خلاف ذلك، وإنما قَصَد أنّ كثيرًا من الناس يطلبون الحديث لغير وجه الله، وذلك أنه رأى أن الرغبة في الخير المحض لم تزل تَقِلّ؛ كانت في الصحابة أكثر منها في التابعين، وفي كبار التابعين أكثر منها في صغارهم، وهلُمَّ جرًّا، وفي جانب ذلك رأى رغبةَ الناس في طلب الحديث لم تنقص، فرأى أنها ليست خيرًا على الإطلاق، يعني أن كثيرًا ممن


(١) أخرجه البخاري (٧٩) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
(٢) (١/ ١٩٨).
(٣) أخرجه أحمد (٢١٥٩٠)، وأبو داود (٣٦٦٠)، والترمذي (٢٦٥٦)، وابن ماجه (٢٣٠) وغيرهم من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه. قال الترمذي: حديث حسن، وصححه ابن حبان (٦٨٠)، وله شواهد من حديث جماعة كثيرة من الصحابة. انظر «موافقة الخُبر الخَبر»: (١/ ٣٦٣ ــ ٣٩٣).