للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

يستدل الحنفية بهذا على أن زيادة العلم بالتجربة سبب للترجيح بين الأقوال في المذهب (١)، فأبو حنيفة استبصر مُدركًا يُرجّح أفضلية حج التطوع على الصدقة، جعله يستدرك على قوله الأول القاضي بعكس ذلك؛ لما في الحج من مشقّة أعلى من مشقة الصدقة، فيكون بهذا أكثر أجرًا منها، فيفضُل عليها.

النموذج الثاني: استدراك مالك على نفسه في مسألة: إخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْ الْعَبْدِ يُبَاعُ يَوْمَ الْفِطْرِ.

جاء في (المدونة): «قُلْتُ (٢): أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ عَبْدَهُ يَوْمَ الْفِطْرِ بَعْدَمَا أَصْبَحَ عَلَى مَنْ زَكَاةُ الْفِطْرِ؟ فَقَالَ (٣): سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْهَا فَقَالَ لِي غَيْرَ مَرَّةٍ: أَرَاهُ عَلَى الَّذِي ابْتَاعَهُ إنْ كَانَ ابْتَاعَهُ يَوْمَ الْفِطْرِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ فَقَالَ: أَرَاهُ عَلَى الْبَائِعِ وَلَا أَرَى عَلَى الْمُبْتَاعِ فِيهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ قَدْ وَجَبَتْ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ» (٤).

تحليل الاستدراك: في هذه المسألة توارد مُلْكان على العبد في أثناء وقت وجوب زكاة الفطر، فعلى أيّ المالكين تكون زكاة الفطر التي عن العبد؟ هل على المالك الأول (وهو البائع هنا) باعتبار خطابه بالوجوب أولاً؟ حيثُ وُجد سبب الخطاب وقت مُلكه؟ أم على المالك الثاني (وهو المشتري هنا) باعتباره قد ملكه وقت وجوب، ولم تؤدّ عنه زكاة الفطر؟

بنى مالك قوله الأول في المسألة على أن العبد مادام قد دخل في مُلك المشتري في أثناء وقت الوجوب فزكاة الفطر تكون على مالكه الحالي، ولكنه استدرك على نفسه مدركًا في المسألة، وهو - فيما ظهر لي - أن وجود السبب يقتضي وجود الحكم،


(١) المرجع السابق، نفس الجزء والصفحة.
(٢) هو سحنون بن سعيد التنوخي (ت ٢٤٠ هـ) راويةُ المدونة الكبرى عن الإمام عبد الرحمن بن القاسم العتقي (ت ١٩١ هـ).
(٣) القائل هو الإمام عبد الرحمن بن القاسم العتقي.
(٤) (١/ ٤٦٩).

<<  <   >  >>