للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

موروثهم الديني. ونحن نرى أن مثل هذا التصور يتنافى تمامًا مع الواقع التاريخي ومع الرؤية الإسلامية، ويمكن أن نسجل الملاحظات الآتية ...».

وكان من الملاحظات التي سجلها، أنه «من الواضح أن القرآن الكريم لا يفترض وجود استمرارية بين يهود العالم، ولذا وردت هذه المصطلحات غير المترادفة ليعبِّر كل مصطلح عن وضع زماني ومكاني مختلف. فالقرآن يُفرِّق تفرقة واضحة بين اليهود الذين عاشوا في الجزيرة العربية وتعامل المسلمون معهم في فترة البعثة المحمدية من جهة وبين بني إسرائيل من جهة أخرى. فمصطلح (بني إسرائيل) جاء مخصصًا للحديث عن يهود عصر موسى وعيسى وأنبياء بني إسرائيل، ولم يُستخدَم هذا اللفظ تخصيصًا ليهود عصر البعثة المحمدية إلا في موضعين وهما: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ} (١)، {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (٢).

وواضح أن في هذين الموضعين إحالة إلى موروثات قديمة يمكن أن يتناقلها اليهود، أيًا كانت أصولهم العرْقية، عن بني إسرائيل، أي يهود عصر موسى، الأمر الذي يفتح الباب لإمكانية توجيه الخطاب العام (اليهودي) بصفة الخاص (بنو إسرائيل) الذي هو مسئول مسئولية مباشرة عن هذه الموروثات ... وقد كان يهود الجزيرة العربية منعزلين عن يهود العالم، وعن مراكز الدراسة التلمودية والفقهية في فلسطين وبابل، بل ويُقال إن يهود العالم آنذاك لم يكونوا يعتبرونهم يهودًا.

ومن هنا تكون التفرقة بين يهود عصر موسى ويهود المدينة، ومن هنا تكون ضرورة افتراض عدم وجود استمرار يهودي، فلا بد من التفرقة بين يهود الماضي من جهة ويهود العالم الحديث في أيامنا هذه من جهة أخرى، فالمجالان الدلاليان لكلمتي (يهودي) و (بني إسرائيل) كما وردتا في القرآن محددان ولا ينطبقان بالضرورة على يهود العصر الحديث» اهـ.

وجوابًا أقول، مستعينًا بالله: لقد زخر القرآن الكريم بآيات واضحة صريحة دالة على وجود استمرارية بين يهود العالم قديمًا وحديثًا، منها قول الله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} (٣)، فهذه واحدة.

أيضًا، فإن المتأمل في آيات الكتاب العزيز يلاحظ مخاطبة يهود المدينة بلسان حال


(١) البقرة: ٢١١
(٢) النمل: ٧٦
(٣) الأعراف: ١٦٧

<<  <   >  >>