للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

المجمع عليه بينهم إنما هو كون الأمير - رضي الله عنه - إمامًا بلا فضل، وإمامة الخلفاء الثلاثة باطلة ولا أصل لها ... وأما بعد هذا القدر المشترك، فلهم اختلاف كثير فيما بينهم بحيث إن بعضهم يضللون ويكفرون ويبطلون بعضًا آخرين ويشنعون عليهم. وكفى الله المؤمنين القتال، فقد سقط عن أهل السنة عبء تلك المجادلة الباطلة» اهـ.

ولقد تتبع أئمة السلف والخلف مسار هذه الحركات الباطنية على مر العصور في كتب الفرق والمذاهب، والذي يعنينا في هذا المقام هو قول الإمام ابن الجوزي رحمه الله (١): «اعلم أن القوم أرادوا الانسلال من الدين فشاوروا جماعة من المجوس والمزدكية والثنوية وملحدة الفلاسفة في استنباط تدبير يخفف عنهم ما نابهم من استيلاء أهل الدين عليهم حتى أخرسوهم عن النطق بما يعتقدونه من إنكار الصانع وتكذيب الرسل وجحد البعث وزعمهم أن الأنبياء ممخرقون ومنمسون (٢) ورأوا أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - قد استطار في الأقطار وأنهم قد عجزوا عن مقاومته، فقالوا: سبيلنا أن ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم أزكاهم عقلًا وأتحفهم رأيًا وأقبلهم للمحالات والتصديق بالأكاذيب، وهم الروافض، فنتحصن بالانتساب إليهم ونتودد إليهم بالحزن على ما جرى على آل محمد من الظلم والذل ليمكننا شتم القدماء الذين نقلوا إليهم الشريعة، فإذا هان أولئك عندهم لم يلتفتوا إلى ما نقلوا، فأمكن استدراجهم إلى الانخداع عن الدين، فإن بقي منهم معتصم بظواهر القرآن والأخبار أوهمناه أن تلك الظواهر لها أسرار وبواطن وأن المنخدع بظواهرها أحمق وإنما الفطنة في اعتقاد بواطنها، ثم نبث إليهم عقائدنا ونزعم أنها المراد بظواهرها عندكم، فإذا تكثرنا بهؤلاء سهل علينا استدراج باقي الفرق».

ويقول عبد القاهر البغدادي (٣): «وذكر أصحاب التواريخ أن الذين وضعوا أساس دين الباطنية كانوا من أولاد المجوس، وكانوا مائلين إلى دين أسلافهم ولم يجسروا على إظهاره خوفًا من سيوف المسلمين، فوضع الأغمار منهم أساسًا من قَبِلَها منهم صار في الباطن إلى تفضيل أديان المجوس وتأولوا آيات القرآن وسنن النبي - صلى الله عليه وسلم - على موافقة


(١) ابن الجوزي: تلبيس إبليس، ص (١٠٣).
(٢) ممخرقون: أي مكذبون مموهون، ومنمسون: أي ملبسون على الناس الحق بالباطل.
(٣) عبد القاهر البغدادي: الفرق بين الفِرَق، ص (٢٦٦ - ٩) بتصرف.

<<  <   >  >>