للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فشبه المنافقين في قلة نفعهم بالخشب المسند إلى الحائط؛ فإنه في الغالب لا ينتفع به كذلك.

{وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ (٤)}

{وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ} يا محمد وأصحابك. وقيل: كان من رآهم وأبصر حسن هيئتهم أعجبهم صورهم وهيئتهم. قوله: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} أي: لجبنهم واستشعارهم الخوف {يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ} (١) وقد أخذ الأخطل (٢) هذا المعنى فقال [من الكامل]:

ما زلت تحسب كلّ شيء بعدهم ... خيلا تكرّ عليهم ورجالا (٣)

فيوقف على {عَلَيْهِمْ} ويبتدئ: {هُمُ الْعَدُوُّ} أي: الكاملون في العداوة؛ لأن أعدى الأعداء قد يحبّك ويظهر لك المحبة.

ويجوز أن يكون: {هُمُ الْعَدُوُّ} المفعول الثاني؛ كما لو طرح الضمير فقال: يحسبون كل صيحة عليهم العدوّ. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين لقي بني المصطلق على المريسيع وهزمهم وقتل منهم ازدحم على الماء جهجاه بن سعيد؛ أجير لعمر يقود فرسه، وسنان الجهني؛ حليف لعبد الله بن أبي، فاقتتلا فصرخ جهجاه: يا للمهاجرين وسنان: يا للأنصار؛ فأعان جهجاها جعال (٤)؛ من فقراء المهاجرين ولطم سنانا؛ فقال عبد الله: أجعال وأنت


(١) سورة التوبة، الآية (٦٤).
(٢) هو غياث بن غوث بن الصلت بن طارقة بن عمرو، أبو مالك، من بني تغلب. شاعر مصقول الألفاظ، حسن الديباجة، في شعره إبداع. اشتهر في عهد بني أمية بالشام، وأكثر من مدح ملوكهم. وهو أحد الثلاثة المتفق على أنهم أشعر أهل عصرهم: جرير والفرزدق والأخطل. نشأ في أطراف الحيرة بالعراق واتصل بالأمويين فكان شاعرهم، وتهاجى مع جرير والفرزدق، فتناقل الرواة شعره. وكان معجبا بأدبه، كثير العناية بشعره. وكانت إقامته حينا في دمشق، وحينا في الجزيرة، توفي سنة (٩٠ هـ‍) تنظر ترجمته في: تاريخ مدينة دمشق (٤٨/ ١٠٥).
(٣) ينظر البيت في: تفسير القرطبي (١٨/ ١٢٥)، روح المعاني للألوسي (٢٨/ ١١١)، فتح القدير للشوكاني (٥/ ٢٣١)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٥٤١).
(٤) هو جعال ويقال: جعيل بن سراقة الضمري أو الغفاري أو الثعلبي، كان من فقراء المسلمين وكان رجلا صالحا دميما قبيحا أسلم قديما وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا. ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (١/ ٤٨١)، الطبقات الكبرى لابن سعد (٤/ ٢٤٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>