للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

مواضع عساكرهم وأحاطوا بعثمان وقالوا: من كف يده فهو آمن، وصلى عثمان بالناس أيامًا ولزم الناس بيوتهم، ولم يمنعوا أحدًا من كلام، فأتاهم الناس فكلموهم وفيهم علي فقال: ما ردَّكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم؟ قالوا: أخذنا مع بريد كتابًا بقتلنا، وأتاهم طلحة فقال البصريون مثل ذلك، وأتاهم الزبير فقال الكوفيون مثل ذلك، وقال الكوفيون والبصريون: فنحن ننصر إخواننا ونمنعهم جميعًا، كأنما كانوا على ميعاد، فقال لهم علي: كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر وقد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا؟ هذا والله أمر أبرم بالمدينة»، فأفصحوا عن هدفهم وقالوا جهرة: «ضعوه ما شئتم، لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا ونحن نعتزله» (١).

يقول محب الدين الخطيب (٢): «الذين شاركوا في الجناية على الإسلام يوم الدار طوائف على مراتب: فيهم الذين غلب عليهم الغلو في الدين، وفيهم الذين ينزعون إلى عصبية يمنية على شيوخ الصحابة من قريش، وفيهم الموتورون من حدود شرعية أقيمت على بعض ذويهم، وفيهم من أثقل كاهله خير عثمان ومعروفه نحوه، فكفر معروف عثمان عندما طمع منه بما لا يستحقه من الرئاسة والتقدم بسبب نشأته في أحضانه، وفيهم من أصابهم من عثمان شيء من التعزير لبوادر بدرت منهم تخالف أدب الإسلام، وفيهم المتعجلون بالرياسة قبل أن يتأهلوا لها اغترارًا بما لهم من ذكاء خلاب أو فصاحة لا تغذيها الحكمة فثاروا متعجلين بالأمر قبل إبانة (٣)،

وبالإجمال فإن الرحمة التي جبل


(١) السابق.
(٢) العواصم من القواصم، ص (٥٨) الهامش باختصار.
(٣) ولقد أشار الدكتور سليمان بن حمد العودة إلى بُعْدٍ آخر لا يقل أهمية عما ذكرناه آنفًا، وهو دور المرتدين في إشعال هذه الفتنة؛ فبعد أن أشار إلى اتخاذ أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - لسياسة كلها حذر وحيطة من أصحاب الردة، وأنه كان لا يستعين في حربه بأحد منهم حتى مات، ثم جاء من بعده عمر - رضي الله عنه - واستعمل المرتدين ولكن لم يطمعهم في الرياسة، ثم ازدادت زاوية الانفراج في خلافة عثمان - رضي الله عنه - إذ يرى أن عامل الزمن قد عفى على تلك الحركة وأن صلاح المرتدين كاف لأن يندمجوا في المجتمع فاستعمل المرتدين استصلاحًا لهم .. يقول: «نعم إننا ونحن نسجل شهادة التاريخ لصلاح نفسيات بعض المرتدين وحسن إسلامهم فإن ذلك لا يعني أن جميع المرتدين كانوا على هذا المستوى، ومن هنا فلا بد أن نضع اندماج المرتدين في المجتمع ضمن أحد المؤشرات لتشكل هذا المجتمع وطبيعة بنيته ...».ثم يضرب لذلك عدة أمثلة، ثم يقول: «هذه لمسات موجزة عن حالة المجتمع الإسلامي قبل أحداث الفتنة علها أن تضيء لنا الطريق حتى إذا أتينا على أحداث الفتنة الكبرى كان لنا ما نتكئ عليه من رصيد الواقع، غير مغرقين في الواقع ومتجاهلين لدور عبد الله بن سبأ اليهودي في تحريك الفتنة واستغلال أجوائها، وغير متكلفين في التعليل فننسب إليه ما هو أكبر منه» اهـ[د. سليمان العودة: عبد الله بن سبأ، ص (٣٥ - ٦) باختصار].

<<  <   >  >>