للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لِنَاقِلِ الأَخْبَارِ شَرْطَانِ هُمَا ... عَدْلٌ وَضَبْطٌ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا

مُكَلَّفًا لم يَرْتَكِبْ فِسْقًا وَلَا ... خَرْمَ مُرُوءَةٍ وَلَا مُغَفَّلَا

يَحْفَظُ إِنْ يُمْلِ كِتَابًا يَضْبِطُ ... إِن يَرْوِ عَنْهُ عَالِمًا مَا يُسْقِطُ

إِنْ يَرْوِ بِالْمَعْنَى وَضْبْطُهُ عُرِفْ ... إِنْ غَالِبًا وَافَقَ مَنْ بِهِ وُصِفْ

ثم بيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى المراد بالإتقان الذي هو الضبط، فقال:

(لم يُوجَدْ فِي رِوَايَتِهِم) ببناء الفعل للمفعول، والنائب عن الفاعل قوله: (اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ) يعني أن معنى إتقانهم أن لا يوجد فيما رووه من الأحاديث اختلاف كثير، ووصف الاختلاف بالشدّة إشارةً إلى أن الاختلاف القليل لا يؤثّر في صحة مروياتهم؛ لأن ذلك مما لا يخلو عنه الثقات الضابطون؛ لأن النسيان من طبيعة البشر.

وحاصل ما أشار إليه رَحِمَهُ اللهُ تعالى أن روايات هؤلاء المتقنين إذا قوبلت بروايات غيرهم ممن كان موصوفًا بتمام الضبط لا تُخالفها مخالفةً كثيرةً، وأما المخالفة النادرة فلا تضرّ؛ إذ لا يخلو منها أحدٌ حتى الحفّاظ المتقنون، وإن وصلوا الغاية في الإتقان، ولذا يقال: من ادّعى أنه لا يخطىء فهو كذّاب. ويُحكَى عن ابن معين رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه قال: لست أعجب ممن يُحدّث، فَيُخطىء، وإنما أعجب ممن يحدّث، فيُصيب.

وقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وأما قوله: "لم يُوجد في رواياتهم اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش"، فتصريح منه بما قاله الأئمة من أهل الحديث، والفقه، والأصول: إن ضبط الراوي يُعرَف بأن تكون روايته غالبًا كما روى الثقات، لا تُخالفهم إلا نادرًا، فإن كانت مخالفته نادرةً لم يُخِلَّ ذلك بضبطه، بل يُحتجّ به؛ لأن ذلك لا يمكن الاحتراز منه، وإن كثرت مخالفته اختلّ ضبطه، ولم يُحتجّ برواياته، وكذلك التخليط في روايته، واضطرابها إن ندر لم يضرّ، وإن كثُرت رُدّت روايته. انتهى (١).

(وَلَا تَخْلِيطٌ) مصدر خلّط، والتشديد للمبالغة، يقال: خلطتُ الشيءَ بغيره، من باب ضرب: ضممتُهُ إليه، فاختلط هو، وقد يمكن التمييز بعد ذلك، كما في خلط الحيوانات، وقد لا يمكن، كخلط المائعات، فيكون مزجًا. قال المرزوقيّ: أصل الخلط تداخل أجزاء الأشياء بعضِها في بعض، وقد تُوُسّع فيه حتى قيل: رجلٌ خليط، إذا اختلط بالناس كثيرًا، والجمع الخلطاء، مثل شريف وشرفاء. قاله الفيّوميّ. هذا من حيث اللغة.

وأما من حيث الاصطلاحُ: فهو فسادُ العقل، وعدمُ انتظام الأقوال، والأفعال،


(١) "شرح النوويّ" ١/ ٥٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>