للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[تنبيهات على كتب محمد عابد الجابري]

[ورأى أن غالب ما يعتمدونه يؤول إلى دعوى لا حقيقة لها، أو شبهة مركبة من قياس فاسد].

كثير من المتكلمين يقرر أدلته لكن قد لا يلتزم بلفظ البرهان كثيراً، فهذا الاطراد في نسبة ابن رشد وفي نسبة أبي محمد بن حزم أنبه فيه إلى كتب شاعت في هذا العصر، وهي كتب محمد عابد الجابري المغربي، فإن له تصنيفاً في دراسة التراث، نقد العقل العربي، وقد أخرج فيه بعض الكتب، من أخص هذه الكتب تكوين العقل العربي وبنية العقل العربي.

والشاهد: أن بعض الشباب قد يتأثرون بهذه الكتب، ويظنون أنها دراسة عميقة متكاملة.

وقد قسم هذا الرجل التراث الإسلامي الماضي -سواء سني أو كلامي أو فلسفي، مشرقي أو مغربي ..

الخ- إلى ثلاثة أقسام:

١ - القسم البياني: وهو الذي يعتمد على البيان.

٢ - القسم العرفاني.

٣ - القسم البرهاني.

ومن وهم هذا الكتاب -وربما قد تكون نزعة تعصب- أنه أدخل في المعرفة البيانية أهل السنة -المذاهب الفقهية الأربعة- والمعتزلة، والأشاعرة ..

إلخ.

ثم أدخل في القسم العرفاني فلاسفة المشرق، أي: أنه جعل رموز فلاسفة المشرق عرفانيين -أي: إشراقيين غنوصيين- كـ ابن سينا، وأبي نصر الفارابي، ومن باب أولى السهروردي وأمثالهم.

وهو يريد من هذا أن ينتهي إلى أن أرقى معرفة بالتراث هي المعرفة البرهانية.

ثم زعم أن البرهان يقع في فلسفة ابن رشد التي ليست عرفانية كفلسفة ابن سينا -أي: إشراقية غنوصية صوفية- أو في نظريات ابن حزم التي قابلت نظريات المتكلمين المشارقة.

فجعل البرهان يقع في العرض المغربي عموماً، سواء عند ابن رشد كفلسفة أو عند ابن حزم كنظر.

وهذا التقسيم من حيث الحقائق العلمية المجردة تقسيم ساذج، يعني عليه إشكالات علمية مطولة، من أخص الإشكالات: أنه فرض أن ابن سينا والمشارقة من الفلاسفة عرفانيون فقط، مع أن ابن سينا وكثيراً من فلاسفة المشرق كان لديهم المذهب العرفاني والمذهب النظري الذي يستعمله ابن رشد، يعني: لا يؤمنون بالمذهب الواحد.

حتى إن ابن سينا لما صنف الشفاء قال: وما أودعناه في هذا الكتاب فهو جرياً على عادة المشائين -يعني: أرسطو وأتباعه- وأما الحق الذي لا جمجمة فيه فهو ما أودعناه في الحكمة المشرقية.

فكان ابن سينا ينظِّر تارةً بالطريقة الإشراقية العرفانية، وتارةً بالطريقة العقلية النظرية.

وكذلك ما يتعلق بـ ابن حزم؛ فإنه بالغ في برهانية أدلته، وإن كان معتبره في هذا أن ابن حزم يسمي أدلته برهانية، وابن رشد يسمي أدلته برهانية فهذا ليس كذلك، لأن هذه مجرد دعوى، والمحقق يعرف أن جمهور أدلة ابن حزم التي ذكرها في مسائل الإلهيات على وجه الخصوص ملخص من دلائل المعتزلة على وجه الخصوص، ولكن ابن حزم رتب بعض الألفاظ وقربهما للشرع، ووصف الدليل بالبرهانية؛ حتى إنه لتقارب الدليل بينه وبين المعتزلة صارت نتيجة مذهبه في الصفات من جنس مذهب المعتزلة؛ وهذا يصرح به ابن حزم في كتبه كالفصل ونحوه.

المقصود: أن هذه الكتب -أعني: كتب الجابري - تحمل أوهاماً علمية واضحة، ومن لم يكن عارفاً بهذه الكتب الكلامية والفلسفية ككتب ابن سينا أو ابن رشد أو المعتزلة والأشاعرة قد لا يكون له إمكانية واضحة لمعرفة النقد العلمي الذي يتوجه لهذه الكتب، فضلاً عن كونه لم يلتزم -بل هو بعيد كثيراً عن هذا- نصرة مذهب أهل السنة، وهذا نقد آخر، لكن هو أيضاً منتقد حتى من حيث الحقائق العلمية المجردة المرتبة.

<<  <  ج: ص:  >  >>