للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وإن أقامَ بيَّنةً على أن له على زيدٍ كذا، وهذا كفيلُهُ بأمرِهِ قضى به عليهما، وفي الكفالةِ بلا أمرِهِ قضى على الكفيلِ فقط، ولو ضَمِنَ الدَّرَك بطلَ دعواهُ بعدَهُ

يتعرَّضْ لقضاءِ القاضي به لا يجبُ على الكفيل؛ لأنَّه كَفِلَ بما قضى القاضي به، ولم يوجدْ هذا في الكفالةِ بما قضى له عليه ظاهر، وكذا بما ذابَ له عليه؛ لأن معناه تقرَّرَ، وهو بالقضاء.

(وإن أقامَ بيَّنةً على أن له على زيدٍ كذا، وهذا كفيلُهُ بأمرِهِ قضى به عليهما)، هذا ابتداءُ مسألةٍ لا تعلُّقَ له بما سَبَقَ، وهو الكفالةُ بما ذابَ له، أو بما قضى له عليه، صورةُ المسألةِ أقامَ رجلٌ بيَّنةً أن له على زيدٍ ألفاً، وهذا كفيلُهُ بهذا المالِ بأمرِهِ قضى عليهما، ففي هذه الصورةِ (١)

قد كَفِلَ بهذا المالِ من غيرِ التَّعرُّضِ لقضاءِ القاضي بخلافِ المسألةِ المتقدِّمةِ، فإذا قضى عليهما يكونُ للكفيلِ حقُّ الرُّجوعِ على الأصيلِ، وهذا عندنا، وعند زُفَرَ - رضي الله عنه - لا يَرْجِعُ عليه؛ لأنَّه لمَّا أنكرَ كان زعمُهُ أن هذا الحقَّ غيرُ ثابتٍ بل المدَّعي ظلمَهُ، فلا يكونَ له أن يظلمَ غيرَهُ. قلنا: الشَّرعُ كذَّبَهُ (٢) فارتفعَ إنكارِهِ.

(وفي الكفالةِ بلا أمرِهِ قضى على الكفيلِ فقط): أي أقامَ البيِّنةَ على أنَّه كفيلُهُ بلا أمرِهِ يقضي القاضي بالمالِ على الكفيلِ فقط.

(ولو ضَمِنَ الدَّرَك بطلَ دعواهُ بعدَهُ) (٣): لأنَّه ترغيبٌ للمشتري في الشَّراءِ، فيكونُ بمَنْزلةِ الإقرارِ بملكِ البائع، فلا يصحُّ دعوى ملكيَّته.


(١) في هذه المسألة قيودٌ معتبرةٌ:
الأوّل: أن الكفالة مقيّدةً بهذا المال.
والثاني: أن هذا المالَ المكفول به غيرُ مقيّدٍ بأنه قضى به على المكفول عنه بعد الكفالة، بل هو مال مطلق، وبهذا القدر تمتازُ هذه المسألةُ عن المسألةِ السابقة إذ المكفول بهذا مقيّدٌ بقضاءِ القاضي.
والثالث: أن هذه الكفالةَ مقيّدةٌ بأنّها بأمر الأصيل إذ الأمر يتضَّمن الإقرارَ بالمال فيصيرُ مقضياً عليه، وأمّا إذا لم يكن بأمره، فهي لا تتضمن الإقرار، فالقضاءُ على الكفيل لا يتضَمَّن القضاء على الأصيل. ينظر: «مجمع الأنهر» (٢: ١٤٠).
(٢) وهذا كمَن اشترى شيئاً وأقرَّ أن البائعَ باعَ ملكَ نفسه، ثمّ جاء إنسانٌ واستحقَّه بالبيِّنه لا يبطلُ حقُّه في الرجوع على البائعِ بالثمن؛ لأنه صارَ مكذَّباً شرعاً. ينظر: «الكفاية» (٦: ٣٢٧ - ٣٢٨).
(٣) صورته: أنه باع داراً فكفلَ رجلٌ للمشتري عن البائع بالدرك ـ وهو ضمان الثمن عند استحقاق المبيع ـ فكفالتُه تسليمٌ للمبيع، وإقرارٌ منه أنه لا حقّ له فيها حتى لو ادَّعى بعد ذلك أن الدار ملكَه، أو ادّعى فيها الشفعةَ، أو الإجارةَ لا تسمعْ دعواه؛ لأن الكفالةَ لو كانت مشروطةً فتمامه بقبوله، وهو شرط ملائم للعقد إذ الدرك يثبت بلا شرطِ الكفالة، فالشرطُ يزيده. ينظر: «زبدة النهاية» (٣: ١٠٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>