للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أشعارها، وتنحل شعراءها شعرًا لم يقولوه، فأوضح ذلك في قوله: «لما راجعت العرب رواية الشعر وذكر أيامها ومآثرها، استقل بعض العشائر شعر شعرائهم، وما ذهب من ذكر وقائعِهم، وكان قومٌ قد قَلَّتْ وقائعُهُم وأشعارُهم، وأرادوا أن يَلحقوا بِمَن لَهُ الوقائعُ والأشعار، فقالوا على ألسنِ شعرائهم، ثُمَّ كانت الرواة بعدُ فزادوا في الأشعار» (١). وقد بَيَّنَ ما أضافه القرشيون في شعر شعرائهم، فطولوا قصيدة لأبي طالب في مدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذَكَرَ ما حُمِلَ على حسان بن ثابت رضي الله عنه، وقد لَحَظَ أن بعض أبناء الشعراء الأعراب كانوا يفدون إلى المدن ويستنشدهم الرواةُ شعرَ آبائهم فينشدونهم، فإذا نفد ما لديهم زادوا في الأشعار، كما فعل داود ابن متمم بن نويرة. قال ابن سلام: «أخبرني أبو عبيدة، أن ابن داوود بن متمم بن نويرة، قدم البصرة في بعض ما يقدم له البدوي من الجلب والميرة ... فسألناه عن شعر أبيه متمم، وقمنا له بحاجته وكفيناه ضيعته، فلما نفد شعر أبيه، جعل يزيد في الأشعار ويصنعها لنا، وإذا كلام دون كلام مُتَمِّم، وإذا هو يحتذي على كلامه فيذكر المواضع التي ذكرها متمم، والوقائع التي شهدها، فلما توالى ذلك علمنا أنه يفتعله» (٢).، ولم يَخْفَ هذا الشعرُ المصنوعُ على الرواة الناقدين، فكانوا يرفضونه.

- طرائق المتقدمين في التمحيص والتثبت:

[١ - التنبيه على الرواة الكذابين]

بدأ نقد الرواة الكذابين بما قاله المفضل الضبي الكوفي (ت ١٦٨ هـ) الذي نقد حَمَّادَ الراوية وبيَّنَ أكاذيبهُ (٣)، وكذلك فعل الأصمعي (ت ٢١٦ هـ) حين نقد خلفًا الأَحْمر. (٤) ثم تصدى للأمر ابنُ سلَّام فنَبَّهَ


(١) طبقات فحول الشعراء ١/ ٥.
(٢) طبقات فحول الشعراء ١/ ٤٧ - ٤٨.
(٣) انظر: الأغاني ٦/ ٨٩.
(٤) انظر: مراتب النحويين ٤٦ - ٤٨.

<<  <   >  >>