للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فجاء المفسرون بعد ذلك وأبرزهم أبو جعفر الطبري ووجد أمامه عددًا من المصنفات في لغة القرآن ونحوه، وأهمها كتب أبي عبيدة، والأخفش، والفراء وابن قتيبة، فشرع في تصنيف تفسيره عام ٢٨٣ هـ، وفرغ منه عام ٢٩٠ هـ (١)، فاستطاع ابن جرير لسعة علمه بما قاله السلف في التفسير من الصحابة والتابعين وأتباعهم، ثم معرفته الواسعة باللغة، وجَمعهِ ما قاله قبله هؤلاء العلماء في مصنفاتهم، أن يتخذ لنفسه منهجًا متكاملًا في التفسير، أصبح سِمَةً بارزةً بعده، جَمَعَ فيه بين أقوال السلف في التفسير، والاحتجاج لها بلغة العرب وشعرها، وإعماله لرأيه الخاص في هذه الثروة العلمية التفسيرية بطريقة منهجية منظمة، فاستحق بذلك أن يكون شيخ المفسرين، ولذلك وصف تفسيره بأنه أجل التفاسير وأعظمها (٢)، وقيل عنه: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرًا. (٣) وتتبع السيوطي كتب التفسير حتى وصل إلى الطبري فجعله طبقةً وحده، ثم قال: «فإن قلت: فأي التفاسير ترشد إليه، وتأمر الناظر أن يُعوِّلَ عليه؟ قلت: تفسير الإمام أبي جعفر ابن جرير الطبري، الذي أجمع العلماء المُعتَبَرون أَنَّهُ لم يؤلف في التفسير مثله». (٤)

وجاء بعده الزمخشري فبدأ في تفسيره عام ٥٢٦ هـ وفرغ منه عام ٥٢٨ هـ (٥)، وصنف ابن عطية تفسيره عام ٥٤٠ هـ، وصنف القرطبي تفسيره قبل عام ٦٧٠ هـ.

وهذا السبق في التصنيف ليس منهجًا وإنما هو عُذْرٌ وربما سبب في المبالغة في التعويل على الشاهد الشعري عند المتقدمين كما فعل أبو


(١) انظر: معجم الأدباء ١٨/ ٤٢.
(٢) انظر: الإتقان في علوم القرآن ٤/ ٢٤٢.
(٣) انظر: تاريخ بغداد ٢/ ١٦٣.
(٤) الإتقان في علوم القرآن ٤/ ٢٤٤.
(٥) انظر: الكشاف ١/ ٣، ٢/ ٥٧٠.

<<  <   >  >>