للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من جهة نقل الحديث والآثار، بطلَ العلم بمعناه، فلا يَصِحُّ الأمرُ بتدبُّرِه وعَقْلِه، وهذا خلاف القرآن.

ثم لو ثبتَ النقلُ عن العربي الشاعر أو الناثر، وعُلِمَ أنه أراد معنًى بذلك اللفظ، لكان ذلك لغةً له قد أرادها باللفظ، فلم يكن إثباتُ اللغة بمجردِ هذا الاستعمال أولى من إثباتها بالاستعمال المنقول في الحديث والآثار، ولا أولى من استعمال القرآن الموجود في نظائر ذلك اللفظ، فإن اللفظ في القرآن يكون له نظائر، ولهذا صنَّفَ العلماءُ كتب الوجوه والنظائر (١)، ويُروى ذلك عن السلف. فالوجوه: الألفاظ المشتركة، والنظائر: الألفاظ المتواطئة، الأول فيما اتفق لفظُه واختلفَ معناه، والثاني فيما اتفق لفظُه ومعناه. فحَمْلُ معاني كلام الله على ما يُوجَد من اللغة في كلامه وكلام رسوله وكلام أصحابه الذين كانوا يتخاطبون بلُغتِه، والتابعين الذين أخذوا عنهم تلك اللغة = أولى من حَمْلِ معانيه على ما يُوجَد من اللغة في كلامِ بعض الشعراء والأعراب، فإن كل احتمالٍ يتطرَّق إلى فهم كلامِ هؤلاء يتطرق إلى فهم كلام أولئك لما يقولونه من النظم والنثر، فان المستمع لكلامهم يتطرق إلى فهمه لمعانيهم أكثر مما يتطرق إلى المستمع لكلام الرسول والصحابة والتابعين، فما يُذكر من احتمال مجاز أو اشتراك ونحو ذلك فتطرقه إلى كلامهم أكثر.

وهذا كله بطريق التنزل والتقرب إلى المنازع، وإلّا فالأمر أجلُّ مما ذكر، وذلك من طريقين: أحدهما بيان استقامة هذه الطريق، والثاني بيان أنه لا طريق يقوم مقامها، فيتعين.


(١) من أشهرها: مؤلفات مقاتل بن سليمان والدامغاني وابن الجوزي.

<<  <  ج: ص:  >  >>