للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

بشعرهم فيما بعد. (١)

وهذا الذي ذهب إليه أبو عمرو بن العلاء والأصمعي وجه صحيح، ورَدٌّ للأمرِ إلى نِصابِه؛ ذلك أن القرآن الكريم أنزل باللسان العربي على ما هو عليه وقت نزول القرآن لا على ما آل إليه بعد ذلك. ولذلك كان اعتماد المفسرين وأصحاب غريب القرآن ومعانيه على الشعر الجاهلي دليلًا على صحة منهجهم في الاستشهاد، وحرصهم على القرآن.

وقد تَحرَّج العلماءُ من القول في غريب القرآن، خوفًا من الوقوع في الخطأ، فكان الواحدُ منهم يُسألُ فلا يُجيبُ مع سعة روايته للغة كالأصمعي (٢)، ولذلك قال الزركشي عند

الحديث عن غريب القرآن: «وهذا البابُ عظيمُ الخَطَرِ، ومن هنا تَهيَّبَ كثيرٌ من السلف تفسير القرآن». (٣) وقال السيوطي: «وعلى الخائض في ذلك التثبت والرجوع إلى كتب أهل الفنِّ، وعدم الخوض بالظنِّ، فهذه الصحابةُ - وهم العَربُ العَرْباءُ، وأصحابُ اللغة الفصحى، ومَنْ نَزَلَ القرآن عليهم وبلغتهم - توقفوا في ألفاظ لم يعرفوا معناها، فلم يقولوا فيها شيئًا». (٤)

ويُعَدُّ «غريبُ القرآن» من أسبق العلوم المتعلقة بالقرآن التي صنَّفَ فيها العلماءُ (٥)، فقد نُسِبَ كتابٌ في غريب القرآن لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما،


(١) انظر: الشاهد المحتج به في الباب الأول ص ٨٢، التنبيهات لعلي بن حمزة البصري ٢٤٧ - ٢٥٠.
(٢) اشتهر هذا عن الأصمعي، وقد أثنى على علمه العلماء، وكان سنيًا حسن الاعتقاد، وشكَّك في ذلك بعض الطاعنين عليه من المخالفين له في المذهب، كأبي رياش، وعلي بن حمزة البصري - وهما من الشيعة الزيدية - الذي عزا ذلك إلى سوء عقيدة الأصمعي ونفاقه ورغبته في التدليس على الناس. (كما في التنبيهات له ٢٤٨)، وقد رد عليه أبو الطيب اللغوي ودافع عن الأصمعي في مراتب النحويين ٨٤.
(٣) البرهان في علوم القرآن ١/ ٣٩٨.
(٤) الإتقان في علوم القرآن ١/ ٣٥٤.
(٥) انظر: المعجم العربي لحسين نصار ٢٦.

<<  <   >  >>