للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الكريم، واستخدام الشعر كوسيلة علمية للتحقق من فصاحة اللغة وسلامة التراكيب، وتدريب طلابه على ذلك، وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى من أحذق طلابه، حيث صحبه أبو عبيدة ما يزيد عن الثلاثين عامًا، واستنفد علمه، وقرأ عليه شعر الشعراء، ومنه شعر الأعشى الذي كان يقدمه أبو عمرو ويحث طلابه على العناية بشعره. وقد أخذ عنه أبو عبيدة منهجه في الاحتجاج بالشاهد الشعري للقراءة وتوجيهها في اللغة. والأخبار التي نقلت عن أبي عمرو بن العلاء لم يحفظ منها إلا القليل وهي لا تكفي لسد حاجة الباحث عن تفاصيل منهجه في الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، غير أن هناك أمثلة يمكن القياس عليها.

ومن أمثلة تأثر أبي عبيدة بشيخه أبي عمرو في منهجه في تفسير القرآن الكريم ما رواه المازني عن أبي عبيدة أنه قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقرأُ: {لَتَخِذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف: ٧٧] (١)، وأنه سأل أبا عمرو عن وجه هذه القراءة فقال: هي لغةٌ فصيحةٌ ... واستشهد لها بقول المُمَزَّقِ العبديِّ:

وقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي إِلى جَنْبِ غَرْزِهَا ... نَسِيْفًا كَأُفْحُوصِ القَطَاةِ المُطَرَّقِ (٢)

ومِنْ تأثِّرهِ بشيخهِ ما يرويه عند تفسيره لقوله تعالى: {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} [الحجر: ٥٤] (٣) حيث قال: «قومٌ يكسرون النونَ، وكان أبو عمرو يَفتحها، ويقول: إنها إن أضيفت لم تكن إلا بنونين؛ لأنها في موضع رفع، فاحتج من أضافها بغير أن يلحق فيها نونًا أخرى بالحذف، حذف أحد الحرفين إذا كانا من لفظٍ واحدٍ، قال أبو حية النميري:

أَبالمَوتِ الذي لا بُدَّ أَنَّي ... مُلاقٍ لا أَباكِ تُخوِّفِيْنِي (٤)


(١) الكهف ٧٧. وهذه قراءة أبي عمرو.
(٢) تقدم تخريجه وشرحه، وانظر: مجالس العلماء للزجاجي ٣٣٣.
(٣) الحجر ٥٤.
(٤) انظر: الأغاني ١٥/ ٦١، سمط اللآلي ٩٧.

<<  <   >  >>