للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

والقول الثاني أنها بمعنى اليد اليمنى، وقال به عدد من العلماء أيضًا. (١) وجَمَعَ بعضُهم بين القولين. (٢) وقد أطال عبد القاهر الجرجاني الوقوف عند هذا الشاهد، وأن قول الشمَّاخ جاء على المَثَلِ، أي لما كانت المكارم تنقاد له، وهو يحوزها، وأنها تحصل له، ولا تمتنع عليه، كأَنَّ المجدَ مَثلُ الشيءِ في قبضةِ الآخذِ لَهُ، والجامعِ يَدَهُ عليه، وخَصَّ اليمينَ لأَنَّها تكونُ أفخمَ للمَثَلِ. وهو لا يُقِرُّ ما ذهبوا إليه مِنْ أَنَّ المراد بِها القوةُ؛ لأَنَّ المقام مقامُ مدحٍ بالجودِ والسخاء، ويرى أَنَّ المَجْدَ الذي تطاولَ لَهُ عَرابَةُ ومَدَّ إليه يدهُ مِن المَجدِ الذي أَرادهُ أبو تَمَّام بقوله:

تَوَجَّعُ أَنْ رَأَتْ جِسْمي نَحيلًا ... كأَنَّ المَجْدَ يُدركُ بالصِّرَاعِ (٣)

فالمقامُ ليسَ مقامَ بأسٍ وشدةٍ، ولو كان كذلك لكانَ حَمْلُ اليمين على صريح القوة أشبه. (٤)

٢ - عند تفسير قوله تعالى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: ١٥٧] (٥)، فسَّر ابنُ قتيبة الأغلالَ بأَنَّها ما حَرَّمَهُ اللهُ على بني إسرائيل، وأَحَلَّهُ لأُمَّةِ محمدٍ، وسُمِّي التحريمُ غُلًا «لأنَّ التحريمَ يَمنعُ كما يقبضُ الغُلُّ اليدَ فاستُعِيْرَ». (٦) ثم أورد شاهدًا شعريًا بلاغيًا يؤكد أن العرب تفعل ذلك في كلامها، وهو قول أبي خراش الهذلي:

فليسَ كَعَهْدِ الدارِ يا أُمَّ مالكٍ ... ولكنْ أَحاطَتْ بالرِّقابِ السَّلاسِلُ

وعادَ الفتى كالكَهْلِ ليسَ بِقائِلٍ ... سِوى العَدْلِ شيئًا فاستراحَ العَواذِلُ (٧)

ثم شرح ابن قتيبة الاستعارة في هذا الشعر فقال: «يقول: ليس الأمرُ كعهدكِ، إذ كُنّا في الدار ونَحنُ نَتَبسَّطُ في كلِّ شيءٍ ولا نَتَوَقَّى،


(١) انظر: مقاييس اللغة ٦/ ١٥٨، الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٢٠.
(٢) انظر: شرح أدب الكاتب للجواليقي ٥٩.
(٣) انظر: ديوانه بشرح التبريزي ٢/ ٣٣٦.
(٤) انظر: أسرار البلاغة ٣٦٠ - ٣٦١.
(٥) الأعراف ١٥٧.
(٦) تأويل مشكل القرآن ١٤٨.
(٧) انظر: ديوان الهذليين ٢/ ١٥٠.

<<  <   >  >>