للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ) أَيْ يُدْخِلَ (خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ) لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَمْنَعُ الرَّجُلُ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ» رُوِيَ خَشَبَةً بِالْإِفْرَادِ وَخَشَبَهُ بِالْجَمْعِ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالشِّينِ وَضَمِّ الْهَاءِ وَبِضَمِّهِمَا، وَهَذَا النَّهْيُ عِنْدَنَا مَنْدُوبٌ وَلِهَذَا قَالَ: يَنْبَغِي. فَقَوْلُهُ: (وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ) تَأْكِيدٌ.

(وَمَا أَفْسَدَتْ الْمَاشِيَةُ مِنْ الزُّرُوعِ وَالْحَوَائِطِ بِاللَّيْلِ فَذَلِكَ عَلَى أَرْبَابِ الْمَاشِيَةِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِي إفْسَادِ النَّهَارِ) وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -

ــ

[حاشية العدوي]

يُجْبَرُ مَالِكُهَا عَلَى دَفْعِهِمَا مِنْ غَيْرِ ثَمَنٍ وَلَوْ كَانَ مَوْجُودًا.

وَأَمَّا فَضْلُ بِئْرِ غَيْرِهِمَا مِمَّا لَهُ مَنْعُهُ وَذَلِكَ كَمَاءِ بِئْرٍ أَوْ صِهْرِيجٍ فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي بِئْرِ مَاشِيَةٍ أَشْهَدَ عَلَى قَصْدِ تَمَلُّكِهَا حِينَ حَفَرَهَا فَإِنَّمَا فِيهِ الثَّمَنُ إنْ كَانَ مَوْجُودًا، وَمِثْلُ ثَمَنِ الْمَاءِ الطَّعَامُ وَاللِّبَاسُ وَالشَّرَابُ لِلْمُضْطَرِّ وَلَهُ الثَّمَنُ إنْ وُجِدَ وَإِلَّا وَجَبَ دَفْعُهُ مَجَّانًا، وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِ فَضْلِ الْمَاءِ أَوْ الطَّعَامِ أَوْ اللِّبَاسِ لِلْمُضْطَرِّ إنْ امْتَنَعَ يَجُوزُ لَهُ مُقَاتَلَتُهُ، وَمَنْ قُتِلَ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ أَوْ الطَّعَامِ يَكُونُ دَمُهُ هَدَرًا، وَمَنْ قُتِلَ مِنْ الْمُضْطَرِّينَ فَفِيهِ الْقِصَاصُ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ مُقَاتَلَةٌ وَتَرَكُوهُمْ حَتَّى مَاتُوا عَطَشًا أَوْ جُوعًا فَدِيَاتُهُمْ عَلَى عَوَاقِلِ رَبِّ الْمَاءِ أَوْ الطَّعَامِ، وَقِيلَ: يُقْتَلُونَ بِهِمْ وَهَذَا عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي التَّرْكِ هَلْ يُعَدُّ فِعْلًا أَمْ لَا كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَمْ يُقْصَدْ بِمَنْعِ فَضْلِ الْمَاءِ أَوْ الطَّعَامِ قَتْلُ الْمُضْطَرِّ وَإِلَّا اُتُّفِقَ عَلَى قَتْلِهِ.

[قَوْلُهُ: لَا يَمْنَعُ الرَّجُلُ جَارَهُ] النَّهْيُ لِلْكَرَاهَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَحَلُّ الْجَارِ مِلْكًا أَوْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَأَمَّا نَاظِرُ الْمَسْجِدِ أَوْ نَائِبُهُ فَاخْتُلِفَ هَلْ يُنْدَبُ لَهُ إعَارَةُ الْجَارِ مَوْضِعًا يَغْرِزُ خَشَبَةً فِيهِ أَوْ يُمْنَعُ عَلَى قَوْلَيْنِ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا الْمَنْعُ.

[قَوْلُهُ: وَبِضَمِّهِمَا] أَيْ الْخَاءِ وَالشِّينِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّحْقِيقِ.

[قَوْلُهُ: وَهَذَا النَّهْيُ عِنْدَنَا إلَخْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى عَدَمِ الِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ أَحْمَدَ وَغَيْرَهُ يَقُولُونَ بِأَنَّ النَّهْيَ عَلَى الْإِلْزَامِ.

وَقَالَ بِمَا نَقُولُ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَأَبُو حَنِيفَةَ.

[قَوْلُهُ: تَأْكِيدٌ] أَتَى بِهِ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ حَمْلٍ يَنْبَغِي عَلَى الْوُجُوبِ، وَإِشَارَةً إلَى قَوْلِ ابْنِ كِنَانَةَ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ الْقَضَاءِ مَا لَمْ يَضْطَرَّ الْجَارُ إلَى ذَلِكَ وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ بِالْقَضَاءِ، وَإِذَا أَعَارَ جَارَهُ مَوْضِعًا لِغَرْزِ خَشَبَةٍ مِنْ جَارِهِ وَأَرَادَ الْمَنْعَ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ إلَّا بَعْدَ الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ أَوْ الْمُعْتَادَةِ.

[قَوْلُهُ: الْمَاشِيَةُ] أَيْ الْمُمْكِنَةُ الْحِرَاسَةِ وَغَيْرُ الْمَعْرُوفَةِ بِالْعَدَاءِ احْتِرَازًا عَنْ الَّتِي لَا يُمْكِنُ حِرَاسَتُهَا كَالْحَمَامِ وَالنَّحْلِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَرْبَابِهِ فِيمَا أَتْلَفُوهُ وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ اتِّخَاذِهِ، وَعَلَى أَرْبَابِ الزُّرُوعِ حِفْظُهُ وَمَحَلُّ جَوَازِ اقْتِنَاءِ مَا ذُكِرَ إذَا لَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهِ أَخْذُ مِلْكِ الْغَيْرِ بِأَنْ يَتَّخِذَ بُرْجًا أَوْ جَبْحًا بَعِيدًا عَنْ جَبْحِ أَوْ بُرْجِ الْغَيْرِ بِحَيْثُ لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ دُخُولُ مَا فِي بُرْجِ غَيْرِهِ فِيهِ، فَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلَا يُصَادُ حَمَامُ الْأَبْرِجَةِ وَمَنْ صَادَ مِنْهُ شَيْئًا رَدَّهُ إنْ عَرَفَ رَبَّهُ وَإِلَّا أَرْسَلَهُ وَلَا يَأْكُلُهُ، وَإِذَا دَخَلَ حَمَامُ بُرْجٍ لِرَجُلٍ فِي بُرْجِ آخَرَ رَدَّهَا إلَى رَبِّهَا إنْ قَدِرَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا يَدْخُلُ فِي بُرْجِهِ الْمَصْنُوعِ فِي الْجَبَلِ أَوْ يَصِيدُهُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَاحْتِرَازًا عَنْ الْمَعْرُوفَةِ بِالْعَدَاءِ فَصَاحِبُهَا يَضْمَنُ جَمِيعَ مَا أَتْلَفَتْهُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَقَيَّدَ ضَمَانَ صَاحِبِهَا بِالْإِنْذَارِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ كَالْكَلْبِ الْعَقُورِ.

[قَوْلُهُ: مِنْ الزُّرُوعِ وَالْحَوَائِطِ] احْتِرَازًا عَمَّا إذَا وَطِئَتْ شَخْصًا نَائِمًا فَقَتَلَتْهُ وَلَا سَائِقَ لَهَا وَلَا قَائِدَ وَلَا رَاكِبَ حَرَّكَهَا فَلَا ضَمَانَ.

[قَوْلُهُ: فَذَلِكَ] أَيْ وَاجِبُ مَا أَتْلَفَتْهُ مِنْ قِيمَةٍ أَوْ مِثْلٍ عَلَى أَرْبَابِ الْمَاشِيَةِ، وَإِنْ زَادَ عَلَى قِيمَتِهَا بِقِيمَتِهِ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ بِأَنْ يُقَالَ مَا قِيمَتُهُ الْآنَ عَلَى جَوَازِ شِرَائِهِ عَلَى تَقْدِيرِ تَمَامِهِ سَالِمًا أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ جَائِحَتِهِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا، فَلَوْ تَأَخَّرَ الْحُكْمُ حَتَّى عَادَ الزَّرْعُ لِهَيْئَتِهِ سَقَطَتْ قِيمَتُهُ وَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَاشِيَةِ أَنْ يُسَلِّمَ الْمَاشِيَةَ فِي قِيمَةِ مَا أَفْسَدَتْهُ بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْجَانِي، وَفُرِّقَ بِأَنَّ الْعَبْدَ مُكَلَّفٌ فَهُوَ الْجَانِي وَهَذَا فِيمَا أَتْلَفَتْهُ مِنْ الزَّرْعِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَإِلَّا فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ عَلَى الْبَتِّ لَا عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ.

[قَوْلُهُ: وَهَذَا التَّفْصِيلُ إلَخْ] أَيْ فَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ «أَنَّ نَاقَةَ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطًا فَأَفْسَدَتْ فِيهِ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَائِطِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ، وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتْ الْمَاشِيَةُ بِاللَّيْلِ فَهُوَ ضَمَانٌ عَلَى أَهْلِهَا» .

<<  <  ج: ص:  >  >>