للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أصول الفقه انتهت في العهد النبوي, والفروع لا تنتهي أبدًا, لذلك شرِّع الاجتهاد:

إن أصول الفقه وإن كملت في الزمن النبوي ففروعه لم تتم بعد، ولا أنتهاء لها أبدًا ما دامت الحوادث، ولما كان استيعاب جميع الفروع الفقهية وأعيان الوقائع الجزئية والإحاطة بجميع أحكامها وإنزل شريعة بذلك، لا يسعه ديوان, ولا تطيقه حافظة الإنسان، مع جواز وقوعه عقلًا، لطف الله بنا فأنزل العمومات لتستنبط منها المسائل الخاصة بالاندراج، وأنزل المسائل الخاصة ليقاس عليها ما يماثلها في علة الحكم أو يشابهها، ووكَّل إلى نبيه تدريب الأمة على الاجتهاد والاستنباط ليحصل لهم ثواب الاجتهاد الذي جعله من أفضل العبادات، ودليل كمال النفس والفكر, وتحصيل ثمرة الفهم والعقل الذي أكرم الله به الإنسان، فكان -صلى الله عليه وسلم- يمرنهم ويرشدهم إلى الاجتهاد، كقوله لما سُئِلَ عن الحمير: " ما أنزل الله عليّ فيها إلّا هذه الآية الجامعة الفاذة: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} ١ " فبيَّن لهم بهذا الجواب كيفية اندراج الجزئي في الكلي, وأن العام حجة, وأنه يعمل به قبل البحث عن المخصص.

وكقوله للرجل الذي قال: إن زوجتي ولدت غلامًا أسود، يريد أن يلاعنها: "هل لك من إبل حمر فيها جمل أورق"؟. قال: نعم نزعه عرق, قال: "فكذلك هذا عسى أن يكون نزعة عرق" ٢ يشير له إلى قياس الشبه، وكذلك قوله للحسن: "كخ كخ, إنا آل محمد لا نأكل الصدقة" ٣، يمرنه مع صغره على معرفة الحكم بدليله، وكقوله لعائشة ولجويرية في اللحم الذي تصدق


١ البخاري في تفسير سورة الزلزلة "٦/ ٢١٧".
٢ سبق.
٣ متفق عليه: البخاري "٢/ ١٥٧"، ومسلم "٣/ ١١٧".

<<  <  ج: ص:  >  >>