للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لقول أُبَيّ بن كعب، وقال جندب: ما كنت أدع قول ابن مسعود لقول أحد.

وقال عليه السلام: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر, واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد" ١، وتقدَّم أن بعض الصحابة كانوا يفتون على عهد رسول الله٢، وتقدَّمت أسماؤهم٣، وذلك تقليد لهم من غيرهم.

ويظهر لي في وجه الجمع بين القولين أن مراد البوصيري بكونهم مجتهدين, أن من شأنهم ذلك في قوتهم واستطاعتهم لا أن الجميع مجتهد بالفعل، فالصحابة كانوا في عصرٍ لم تختلط فيه اللغة, فكانت قواعد الاجتهاد مرتكزة في نفوسهم, فلا يعوزهم إلّا حفظ نصوص الشريعة, أو كمال فقاهة النفس، إذ لا شك أن بعضهم لم يبلغها بدليل قوله -عليه السلام- لعدي بن حاتم لما جعل تحت وسادته خيطًا أبيض وآخر أسود: "إنك لعريض القفا, إنما هو الفجر والليل" ٤، وقوله لآخر: "إنك لضخم" ٥.

فمن كانت له فقاهة النفس ومزيد حفظ بلغ رتبة الاجتهاد بالفعل كالخلفاء، وزيد بن ثابت، وأمثالهم، ومن لم يكن معه اطلاع كان مجتهدًا بالقوة، بدليل أنه -عليه السلام- ولى عتاب بن أسيد إمرة مكة بمجرد إسلامه، وهو ابن عشرين سنة، وعمر بن العاص غزاة ذات السلاسل، وأسامة جيشًا فيه الشيخان وأبو عبيدة بمجرد إسلامه أيضًا، وأمثالًا لوجود صفة الاجتهاد فيهما, وان احتاجا للنصوص كان معهما القراء والحفاظ الحاملون لذلك، ومما لا نزاع فيه تفاوتهم


١ الترمذي وابن ماجه.
٢ سبق.
٣ متفق عليه: البخاري في تفسير سورة البقرة "٦/ ٣١"، ومسلم في الصوم "٣/ ٣١".
٤ الحديث في مسلم في صلاة المسافرين "٢/ ١٧٤"، لكنه من كلام ابن عمر وليس مرفوعًا كما تفيد عبارة المؤلف.
٥ إن كان يقصد بقوله -بمجرد إسلامه- عمرو بن العاص، فصحيح لأنه أسلم في صفر سنة ثمان ووجهه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جمادى الآخرة من نفس السنة إلى السلاسل، على رأس ثلاثمائة, كما في الاستيعاب "٣/ ١١٨٦"، وأما إن كان المقصود أسامة بن زيد, فقد ولد أسامة في الإسلام، وأمه أم أيمن مولاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم, وكان قد زوجها من زيد بن حارثة مولاه وحبه -صلى الله عليه وسلم.

<<  <  ج: ص:  >  >>